أيها الصائمون.. واستكمالًا لمسيرتنا حول أنواع الماء في القرآن الكريم، واليوم نتدارس سويًّا ماءً من نوع خاص ألا وهو «ماءً ثجاجًا»، وقد ذكر هذا النوع من الماء مرة واحدة، قال تعالى:(وَأَنزَلنَا مِنَ ?لمُعصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجا) (النبأ ـ 14)، يقول الخليل:(والمُعْصِرات: سحابات تُمْطِر، قال الله عز وجل: (وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا)، وأعصر القوم: أُمْطِرُوا، قال الله عز وجل:(وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، ويقرأ: يَعْصِرون، من عصير العنب، قال أبو سعيد: يَعْصِرون: يستغلّون أَرَضِيهم، لأن الله يُغنيهم فتجيء عصارة أَرَضيهم، أي: غلّتها، لأنك إذا زرعتَ اعتصرتَ من زرعك ما رزقك الله، والإعصار: الريح التي تثير السَّحاب، أعصرتِ الرياح فهي مُعْصِرات، أي: مثيرات للسحاب، والإعصار: الغبار الذي يستدير ويسطع، وغبار العجاجة إعصار أيضًا، قال الله عز وجل:(فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ) يعني: العجاجة، والعَصَرُ: الملجأ، والعُصْرةُ أيضًا، والمُتَعَصَّرُ والمعْتَصَرُ) (العين 1/ 295)، ويقول ابن منظور: (الثَّجُّ سَيَلانُ دِمَاءِ الهَدْيِ والأَضاحي، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ: «فحَلَب فِيهِ ثَجّاً» أَي: لَبَنًا سَائِلًا كَثِيرًا، والثَّجُّ: السَّيَلانُ، ومَطَرٌ مِثَجٌّ وثَجَّاجٌ وثَجِيجٌ، وثَجِيجُ الْمَاءِ: صوتُ انْصِبَابِهِ، وَفِي حَدِيثِ رُقَيْقَةَ: اكْتَظَّ الْوَادِي بِثَجيجِه أَي: امتلأَ بِسَيْلِهِ، وَمَاءٌ ثَجُوجٌ وثَجّاجٌ: مَصْبوبٌ، وَفِي التَّنْزِيلِ: «وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجًا»، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هَذَا مِمَّا جَاءَ فِي لَفْظِ فَاعِلٍ، وَالْمَوْضِعُ مَفْعُولٌ، لأَن السَّحَابَ يَثُجُّ الماءَ، فَهُوَ مَثْجُوجٌ، وَقَالَ بَعْضُ أَهل اللُّغَةِ: ثَجَجْتُ الماءَ أَثُجُّه ثَجًّا إِذا أَساله، وثَجَّ الماءُ نفْسُه يَثُجُّ ثُجُوجًا إِذا انْصَبَّ، فإِذا كَانَ كَذَلِكَ فأَنْ يَكُونَ ثَجَّاجٌ فِي مَعْنَى ثاجٍّ أَحسنُ مِنْ أَن يُتكلف وَضْعُ الْفَاعِلِ موضعَ الْمَفْعُولِ، وإِن كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَيَجُوزُ أَثْجَجْتُه بِمَعْنَى ثَجَجْتُه، ودَمٌ ثَجّاجٌ: مُنْصَبٌّ مُصَوَّبٌ، الْمَاءِ الثَّجَّاجِ السَّائِلِ، ومَطَرٌ ثَجَّاجٌ: شَدِيدُ الِانْصِبَابِ جِدًّا، وأَتانا الْوَادِي بثَجِيجِه أَي: بِسَيْلِهِ، وقولُ الْحَسَنِ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنه كَانَ مِثَجًّا أَي: كَانَ يصُبُّ الْكَلَامَ صَبًّا؛ شبَّه فَصَاحَتَهُ وغَزارةَ مَنْطِقِهِ بِالْمَاءِ الثَّجُوجِ، وعَينٌ ثَجُوجٌ: غزيرةُ الْمَاءِ، والثَّجَّةُ الأُقْنَةُ، وَهِيَ حُفْرَةٌ يَحْتَفِرُهَا مَاءُ الْمَطَرِ، وَقَالَ شِمْرٌ: الثَّجَّةُ، بِفَتْحِ الثَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، الرَّوْضَةُ الَّتِي حَفَرَت الحياضَ، وجمعُها ثَجَّاتٌ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لثَجِّها الماءَ فيها) (لسان العرب 2/ 221).
يذكر أنّ ما جاء في معنى (البركة) ما روي (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنِ السَّائِبِ - وَلَمْ يَذْكُرْ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا، فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ) (شرح مشكل الآثار 14/ 496)، وفي تفسير «ثجاجاً» يقول الطبري:(وأما قولُه:(مَاءً ثَجَّاجًا) يقولُ: مَاءً مُنْصَبًا يَتْبَعُ بعضُه بعضًا، كتَجِّ دماءِ البُدْنِ، وذلك سفكُها، فعن ابن عباسٍ:(مَاءً ثَجَّاجًا) قال: مُنْصَبًّا، وعن سفيانَ:(مَاءً ثَجَّاجًا)، قال: مُتَتَابِعًا، وقال بعضُهم: عُنِى بالثجَّاجِ الكثيرُ، ولا يُعرَفُ في كلامِ العربِ من صفة الكثرة (الثجُّ)، وإنما الثجُّ الصبُّ المتتابعُ، ومنه قولُ النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الحجِّ العجُّ والثجُّ»، يَعْنى بالثجِّ صبَّ دماءِ الهدايا والبُدْنِ بذبحِها، يُقالُ منه: ثجَجْتُ، دمَه، فأنا أثجُّه ثجًّا، وقد ثَجَّ الدمُ، فهو يَثِجُّ ثُجوجًا) (تفسير الطبري 24/ 14)، يقول صاحب كتاب: (ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد، ص 146): (هذه الآيات وغيرها في القرآن كثير جدًّا يذكر المولى تبارك وتعالى فيها عنايته بنا ورعايته لما يصلحنا بما سخر لنا مما به معاشنا وعليه قوام حياتنا من الانتقال إلى الأماكن البعيدة، وحمل الأثقال وتبادل المنافع بين الأقطار بوساطة الفلك في البحر، والأساطيل الجوية في السماء والحيوانات والسيارات على الأرض التي قد مهدت وجعلت ذلولًا لتوطأ بالأقدام وتضعرب بالمعاول، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال وقد هيئت لما يراد منها تهيئة تامة، من إخراج الماء والمرعى، وشق الأنهار فيها، وجعل السبل والفجاج).. فتبارك الله رب العالمين.
د. محمود عدلي الشريف