الخميس 12 مارس 2026 م - 22 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رمضان ودوره فـي «التعلم بالسلوك»

رمضان ودوره فـي «التعلم بالسلوك»
الأربعاء - 11 مارس 2026 06:10 ص

المنتصر بن زهران الرقيشي

10

السلوك الإسلامي، في جوهره، يَقُوم على التدرُّج والتكرار، والصيام يدرِّب الفرد على ضبط النفْس، والصلاة الجماعيَّة تُعزِّز الانضباط الزمني، والصدقة تُنمِّي الإحساس بالمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، هذه الممارسات اليوميَّة المتكررة تُشكِّل ما يُطلق عليه «التعلُّم بالسلوك»، حيثُ تُكتسب القِيَم عَبْرَ الفعل المستمر، متجاوزًا في أثَره مفهوم التَّوجيه المجرَّد، القرآن الكريم يلفتُ إلى هذا البُعد حين يربط العبادة بأثرها العملي، كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ، في إشارة واضحة إلى أنَّ الغاية التربويَّة للعبادة تتجسد في السلوك.

من هذا المُنطلَق، يحتلُّ شهر رمضان مكانةً خاصَّة في البناء التربوي الإسلامي؛ لأنَّه يُقدِّم نموذجًا تطبيقيًّا متكاملًا للأخلاق. فالقِيَم الَّتي تُذكر في الكتب، وتُشرح في الخطب، تتحول خلال هذا الشهر إلى ممارسات يوميَّة يراها الإنسان في نفْسه وفي محيطه. ضبط اللسان، احترام الوقت، الصبر، الإحسان، والانتباه للآخرين، جميعها تُمارس بشكلٍ مكثَّف ومتكرر، ما يجعل رمضان بيئة تعليميَّة عمليَّة تعتمد على عاملي الشرح والتجربة.

بالنسبة للأطفال، يُشكِّل رمضان فرصة تربويَّة عالية التأثير. الطِّفل بطبيعته الفطريَّة يتعلَّم من المشاهدة قَبل أن يفهمَ تحليليًّا، ومن التقليد قَبل الاستيعاب النظري، فهو حين يرى والدَيْه يلتزمان بالصيام، ويتعاملان مع الجوع والتَّعب بهدوء، ويحرصان على الصلاة وقراءة القرآن، تتكونُ لدَيْه صورة سلوكيَّة واضحة عن القِيَم الإسلاميَّة. ومن جانبها تُشير الأبحاث التربويَّة إلى أنَّ النمذجة السلوكيَّة داخل الأُسرة تُعَدُّ من أكثر أدوات التنشئة فاعليَّة، وهو ما تؤكِّده تقارير القدوة اليوميَّة في بناء السلوك الأخلاقي لدى الأطفال.

رمضان، بطبيعته الزمنيَّة المكثَّفة، يُعزِّز هذا التعلم. الامتناع عن المباحات يعلِّم الطفل الصبر، والالتزام بمواعيد الإفطار والسحور يرسِّخ احترام الوقت، والمشاركة في الصدقة تعرِّفه عمليًّا على معنى التكافل. هذه الخبرات تتكرر يوميًّا، فتتحول إلى عادات، ثم إلى قِيَم مستقرَّة. علماء النفْس التربوي يشيرون إلى أنَّ القِيَم المرتبطة بتجربة وجدانيَّة وسياق زمني ثابت تكُونُ أكثر رسوخًا في السلوك طويل المدى.

أمَّا لدى الكبار، فيؤدي رمضان دَوْرًا مكمِّلًا عَبْرَ إعادة تنشيط الوعي الأخلاقي والمعرفي. الحرص على حضور المحاضرات الدينيَّة، ودروس التفسير، والندوات الفكريَّة خلال الشهر، يربط السلوك اليومي بالإطار المفاهيمي الصحيح. هذه المحاضرات تشرح الحكمة من العبادات، وتربطها بمقاصدها، ممَّا يُعزِّز الاتِّساق بَيْنَ المعرفة والممارسة. فالمشاركة المنتظمة في الأنشطة الدينيَّة الجماعيَّة ترتبط بارتفاع مستوى الالتزام السلوكي والانضباط الذَّاتي.

الفكر الإسلامي تناول هذا المعنى بوضوح. فهو يربط بَيْنَ العبادة وأثَرها في تهذيب النفْس، ويؤكِّد أنَّ المقصود من التشريع بناء الإنسان أخلاقيًّا وسلوكيًّا. هذا الربط يضع رمضان في موقع المراجعة السنويَّة للسلوك، حيثُ تُعاد قراءة العادات اليوميَّة على ضوء المقاصد الكبرى.

من منظور تربوي علمي، يعمل رمضان على مستويين متوازيين: تنشئة الأطفال عَبْرَ القدوة والممارسة اليوميَّة، وتعزيز وعي الكبار عَبْرَ الفهم والتذكير المنتظم. هذا التلاقي بَيْنَ السلوك والمعرفة يمنح الشهر قدرة استثنائيَّة على إعادة تشكيل العادات الفرديَّة والجماعيَّة.

هكذا يظهر رمضان بوصفه مدرسة سلوكيَّة متكاملة، تشرح الأخلاق الإسلاميَّة عَبْرَ التطبيق، وتمنح الأفراد فرصة حقيقيَّة لتحويل القِيَم من مفاهيم ذهنيَّة إلى سلوك معيش. وعندما يُستثمر هذا الشهر بوعي أُسري وتعليمي، تمتدُّ آثاره التربويَّة إلى ما بعد أيَّامه؛ لِتصبحَ جزءًا من الحياة اليوميَّة لا بكونه مجرَّد تجربة موسميَّة.

المنتصر بن زهران الرقيشي

كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية

مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)

@mumtaserzr