تنطلق منظومة الحماية الاجتماعيَّة في سلطنة عُمان من رؤية إنسانيَّة وتنمويَّة عميقة رسَّختها توجيهات حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ، حيثُ أكَّدتِ التَّوجيهات السَّامية منذُ انطلاق مَسيرة النهضة المُتجدِّدة أنَّ بناء الإنسان العُماني، وتعزيز جودة حياته، يُمثِّلان جوهر عمليَّة التنمية الشَّاملة. ومن هذا المُنطلَق يُمكِن قراءة الأرقام الَّتي أعلنَها صندوق الحماية الاجتماعيَّة بوصفها مؤشِّرات على مسار استراتيجي يتجاوز حدود الإحصاءات إلى بناء منظومة متكاملة للأمان الاجتماعي. فالوصول إلى أكثر من ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف شخص مشمولين بمظلَّة الحماية الاجتماعيَّة، أي ما يقارب (64) بالمئة من السكَّان، يعكس اتِّساع نطاق الرعاية المؤسَّسيَّة الَّتي تستهدف تحقيق التوازن بَيْنَ النُّمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وفي ظلِّ التحوُّلات المتسارعة الَّتي يشهدها العالم في أسواق العمل والاقتصاد، تُصبح الحماية الاجتماعيَّة ركيزةً أساسيَّة لتعزيزِ الثقة في المستقبل وضمان استدامة التنمية، حيثُ تمنح الأفراد والأُسر شبكة أمان تحميهم من التقلُّبات الاقتصاديَّة، وتدعم قدرتهم على المشاركة الفاعلة في دَوْرة الإنتاج؛ لِيغدوَ الأمان الاجتماعي جزءًا من معادلة الاستقرار الاقتصادي الَّتي تسعى سلطنة عُمان إلى ترسيخها ضِمن رؤيتها التنمويَّة طويلة المدى.
وتكشف البيانات الصَّادرة عن صندوق الحماية الاجتماعيَّة ملامح واضحة للتحوُّل المؤسَّسي في إدارة منظومة الأمان الاجتماعي في السَّلطنة، حيثُ بلغ إجمالي عدد المؤمَّن عليهم النَّشطين حتَّى يناير 2026 نَحْوَ مليون و(676) ألفًا و(493) شخصًا، يُشكِّل العُمانيون منهم أكثر من (615) ألفًا، في حين يتجاوز عدد المؤمَّن عليهم من غير العُمانيين مليون شخص، وهي أرقام تعكس اتِّساع نطاق التغطية التأمينيَّة في سوق العمل العُماني. كما تُظهر مؤشِّرات المنافع الاجتماعيَّة نُموًّا ملحوظًا؛ إذ ارتفعت نسبة تغطية منفعة الطفولة بَيْنَ عامَي 2024 و2025 بنَحْوِ (1.2) بالمئة، فيما سجَّلت منفعة كبار السِّن نُموًّا بنسبة (4.2) بالمئة، إلى جانب وجود أكثر من (97) ألف مستفيد من معاشات الأحياء، ونَحْوِ (100) ألف مستحقٍّ لمعاشات الوفاة.. هذه الأرقام تعكس تطورًا تدريجيًّا في بناء منظومة حماية اجتماعيَّة أكثر شمولًا، قادرة على الاستجابة لمختلف المراحل العمريَّة والظروف الاجتماعيَّة، كما تُشير في الوقت ذاته إلى توسُّع قاعدة المستفيدين من البرامج التأمينيَّة والاجتماعيَّة بما يُعزِّز الاستقرار المعيشي، ويمنح سوق العمل إطارًا أكثر تنظيمًا وأمانًا.
لعلَّ أحد الجوانب اللافتة في تطوُّر منظومة الحماية الاجتماعيَّة يتمثل في التحوُّل التدريجي من مفهوم الدَّعم الاجتماعي التقليدي إلى مفهوم أوسع يَقُوم على التَّمكين الاقتصادي، وتعزيز الأمان المالي للأفراد والأُسر، حيثُ لم تَعُدِ الحماية الاجتماعيَّة تقتصر على تقديم المساعدات أو المنافع المباشرة، وإنَّما أصبحتْ منظومة متكاملة تضمُّ منافع الطفولة وكبار السِّن والأشخاص ذوي الإعاقة والأيتام والأرامل، ودعم دخل الأُسر، إلى جانب برامج التأمين الاجتماعي المرتبطة بالشيخوخة والعجز وإصابات العمل والأمان الوظيفي.. إنَّ هذا التنوُّع في أدوات الحماية يعكس رؤية تنمويَّة تسعى إلى مرافقة الإنسان في مختلف مراحل حياته، وتوفير شبكة أمان تساعده على مواجهة التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة بثقة أكبر. كما أنَّ إدماج أدوات الادخار والتأمين ضِمن هذه المنظومة يُعزِّز قدرة الأفراد على التخطيط المالي للمستقبل، ويحدُّ من المخاطر المرتبطة بفقدان الدَّخل أو التَّقاعد، وهو ما يمنح الحماية الاجتماعيَّة بُعدًا تنمويًّا يتجاوز فكرة الرعاية إلى بناء مُجتمع أكثر قدرة على الاستقرار والإنتاج.
إنَّ الأهميَّة الحقيقيَّة لمنظومة الحماية الاجتماعيَّة تتجلَّى في قدرتها على ترسيخ معادلة متوازنة بَيْنَ النُّمو الاقتصادي والاستقرار المُجتمعي، حيثُ تُصبح هذه المنظومة أحَد الأعمدة الأساسيَّة الَّتي تدعم استدامة التنمية في المدى الطويل. فالمُجتمعات الَّتي تَبْني شبكات حماية اجتماعيَّة متكاملة تمنح أفرادها قدرًا أكبر من الطمأنينة تجاه المستقبل، وهو ما ينعكس إيجابًا على مستوى المشاركة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والاستقرار الأُسري. وتمضي سلطنة عُمان في تطوير منظومة الحماية الاجتماعيَّة ضِمن رؤية شاملة ترتبط بمستهدفات رؤية «عُمان 2040»، حيثُ يتكامل البُعد الاقتصادي مع البُعد الاجتماعي في صياغة سياسات تنمويَّة تضع الإنسان في مركزها. ومن خلال استمرار تطوير البرامج التأمينيَّة والاجتماعيَّة، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد وتوسيع نطاق التغطية، تتشكل ملامح منظومة أكثر قدرة على مواكبة التحوُّلات الاقتصاديَّة والديموغرافيَّة، بما يُعزِّز مكانة الحماية الاجتماعيَّة كإحدى الركائز الَّتي تستند إليها مَسيرة التنمية المستدامة في السَّلطنة.