الخميس 12 مارس 2026 م - 22 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الصورة الضوئية العمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع

الصورة الضوئية العمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع
الثلاثاء - 10 مارس 2026 02:41 م
10

مسقط ـ العُمانية: لم تعد الصورة الضوئية اليوم مجرد أداة لتسجيل لحظة عابرة أو توثيق بصري لحدث ما، وإنما لغة قائمة تتقاطع مع الرؤية الفنية ووعي الإنسان مرورًا بالسياقات الثقافية والاجتماعية، فهي إلى جانب كونها تنتج وتستهلك، يعاد قراءتها في سياق منظومات متعددة، بما فيها التكنولوجيا، والوسائل الإعلامية مرورًا بالمنصات الرقمية، والتي عادة ما تعلب دورًا محوريًا في تشكيل معناها حقيقتها وانتشارها وتأثيرها. في الإطار ذاته هي أداة تعبّر عن الهوية، ووسيلة لفهم التحولات الاجتماعية، وشاهدًا على لحظات مفصلية في حياة الأفراد والمجتمعات.. في هذا السياق يتحدث المصور الضوئي موسى الحجري عن الصورة كونها جزءًا من الثقافة اليومية وقدرتها على نقل واقع المجتمع وقيمه ويقول: أرى إن الصورة الضوئية هي مرآة دقيقة لما يعيشه المجتمع وتفاصيله العميقة أيا كان زمانه ومكانه، فعندما نلتقط مشهدًا من سوق شعبي على سبيل المثال، أو احتفالٍ وطني، أو ملامح رجل كبير في السن، فإننا لا نوثق لحظة زمنية، بل نحفظ حقيقة للثقافة والقيم والعادات. في مجتمعنا العُماني، على سبيل المثال لا الحصر: توثق الصورة ملامح الكرم، وروح التعاون، والاعتزاز بالهوية، سواء في مشاهد البادية، أو البحر، أو الجبال. وأضاف: أرى أن قوة الصورة تكمن في قدرتها على تجاوز اللغة، فقد يفهم المتلقي من ثقافة أخرى معنى الانتماء أو الفخر أو البساطة من خلال تعبير وجه أو طريقة ارتداء الزي التقليدي. التفاصيل الصغيرة كالعمامة، أو الحلي النسائية، أو حتى أدوات المهنة، فهنا الصورة تتحول إلى رمز ثقافي يحمل دلالات تتجاوز إطارها البصري، فالصورة أيضا الصورة تحفظ الذاكرة الجماعية كونها أداة لتوثيق التحولات الاجتماعية والعمرانية، وتوجد جسراً بين الأجيال. فالطفل الذي يشاهد صورة قديمة لبيئة أجداده، يتعرّف على واقعه الاجتماعي بطريقة مباشرة وعاطفية. وهنا تظهر قيمة الصورة كوسيط ثقافي يختصر المسافات الزمنية ويعيد تشكيل الوعي بالهوية.

أما المصور الضوئي محمود بن محمد الجابري فيذهب ليشير إلى كيفية تأثير الصورة الفوتوغرافية اليوم في نظرة الإنسان إلى نفسه وهويته، ويوضح ذلك الفرق بين صورة يوجدها المصوّر عن الآخرين، وصورة يصنعها الفرد عن ذاته في زمن الكاميرا الرقمية على سبيل المثال ويؤكد: من خلال تجربتي كمصور يوثق البيئة العُمانية، أرى أن الصورة الفوتوغرافية اليوم لا تؤثر فقط في نظرة الإنسان إلى نفسه، بل تسهم في إعادة تعريف علاقته بهويته ومجتمعه. عندما أصور تفاصيل الحياة اليومية في القرى، ملامح الوجوه، الأسواق الشعبية، أو العادات والتقاليد المتوارثة، ألاحظ كيف تتحول الصورة إلى مرآة يرى فيها الإنسان نفسه بطريقة مختلفة. كثيرًا ما يخبرني أشخاص بعد رؤية صورهم أنهم لم يدركوا قيمة ما يعيشونه إلا عندما شاهدوه مجسدًا في إطار بصري؛ كأن الصورة أعادت إليهم وعيهم بذاتهم وبانتمائهم.

ويضيف : في توثيق البيئة العُمانية، لا أبحث فقط عن الجمال البصري، بل عن الروح الكامنة في المكان والإنسان. الصورة هنا تصبح وسيلة لتعزيز الهوية، خاصة في زمن تتسارع فيه التغيرات. عندما يرى الشاب العُماني صورة لملامح جده، أو لحِرفة تقليدية، أو لمشهد من حياته اليومية مصاغًا برؤية فنية، فإنه يعيد النظر في قيمة هذا الموروث. الصورة تمنحه شعورًا بالفخر والانتماء، وتربط الحاضر بالجذور.

ويؤكد: في زمن يكثر فيه حضور الذكاء الاصطناعي وقدرته على تصميم الصور وتوليد مشاهد افتراضية، تزداد قناعتي بأن الصورة الفوتوغرافية الحقيقية التي نلتقطها من قلب الواقع تبقى مختلفة تمامًا. فالصورة المصنوعة رقميًا قد تُبهر العين بجمالها ودقتها، لكنها تظل نتاج خيال أو خوارزمية، بينما الصورة الأصلية تحمل أثر اللحظة وصدقها. إنها تعكس الثقافة والهوية كما يعيشها الناس فعلًا، دون تصنّع أو تدخل افتراضي. في ملامح الوجوه، في تفاصيل الأيدي العاملة، في غبار الأسواق وضوء القرى، تكمن حقيقة لا يمكن توليدها اصطناعيًا.

أما المصورة رشا العبدلي فتشير إلى الصورة الضوئية ودورها الاجتماعي وما يمكن أن تغيّره في وعي الناس بالقضايا خاصة الاجتماعية والإنسانية منها، وقدرتها على التأثير وتؤكد: الصورة بمفهومها البصري تعيد تأطير المشهد من خلال زوايا مدروسة تنقل محتوى حدث أو قضية ما من منظور مختلف بناءً على ما يود الفنان طرحه من تعبير أو رسالة معينه يود أن يلفت إليها الجمهور. وقد يتعدى ذلك مجرد انتقاء مشاهد جمالية بهدف نقل المشهد لا غير، فالفنان يسترسل في ترجمة تفاعله مع قضية أو فكرة ما ويقوم بتجسيدها من خلال كادر كاميرته الصغير وبتكوين بصري وعناصر تحمل رمزيات تتعلق بتلك القضية أو الفكرة. أما المصور الضوئي تركي الجنيبي فيقف عند الصورة الفوتوغرافية كوثيقة للتاريخ، ومن الذي يحدد أي الصور تبقى في الذاكرة العامة وأيها تُنسى وهنا يقول: حين نتحدث عن الصورة الفوتوغرافية في كونها ذاكرة، فإننا لا نتحدث عن انعكاس آليّ للواقع، بل عن تمثيلٍ له. فالصورة، مهما بدت صادقة وحيادية، هي في جوهرها نتاج اختيار، ويتمثل ذلك في اختيار اللحظة، والزاوية، والإضاءة، والإطار، وحتى ما يُستبعد من المشهد. لذلك، يمكن القول إن الثقة بالصورة كوثيقة تاريخية هي ثقة نسبية، فهي لا تنقل الحقيقة كاملة، بل تنقل رؤيةً للحقيقة. ويؤكد الجنيبي: الصورة توثّق من منظور المصوّر، ومن داخل سياق ثقافي واجتماعي محدد. ولهذا فإنها تحمل في طياتها وعي عصرها، وقيم مجتمعها، ومع تطور التكنولوجيا وظهور أدوات التعديل والمعالجة الرقمية، أصبحت المسافة بين الواقع والصورة أكثر تعقيدًا، ما يفرض علينا قراءة الصورة لا بوصفها دليلًا مطلقًا، بل نصًا بصريًا يحتاج إلى تفسير وفهم للسياق.

الصورة الضوئية العمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع
الصورة الضوئية العمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع
الصورة الضوئية العمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع
الصورة الضوئية العمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع