الأربعاء 11 مارس 2026 م - 21 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

نقطة حبر : الاستشراف فـي زمن الأزمات

نقطة حبر : الاستشراف فـي زمن الأزمات
الثلاثاء - 10 مارس 2026 05:20 ص

مصطفى المعمري

170


الحرب الإقليمية الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، وفي ضوء المعطيات والتطورات الأخيرة باتت تفرض واقعًا جديدًا يتطلب تشكيل فريق استشرافي وطني، ممثلًا بمختلف الجهات وعلى أعلى المستويات. تكون مهمته متابعة المستجدات، وإجراء تقييم شامل للتطورات، ودراسة واقعية يومية لحجم التأثيرات، واستشراف السيناريوهات المحتملة وتقدير احتمالية حدوثها، إضافة إلى إيجاد الحلول والمخارج التي تضمن الاستقرار الاقتصادي والتجاري، والتماسك المجتمعي والأمني، خاصة في ظل التوقعات باستمرار هذه الحرب لأسابيع أو ربما أشهر.. والله أعلم.

إن التطورات التي يشهدها الصراع، وما نتج عنها من تأثيرات على الأسواق المالية، وأسعار النفط، وحركة الشحن والبضائع، وكذلك تأثيرها على الحركة السياحية، وما قد يترتب عليها من ارتفاع في أسعار السلع، وما يصاحب ذلك من انعكاسات على قطاعات وتوجهات اقتصادية متعددة، كلها عوامل تستدعي العمل على وضع رؤية واضحة لمعالجة الإشكاليات المتوقعة في مختلف القطاعات، بما يسهم في خفض حدة تلك التأثيرات.

كما يتطلب الأمر إعادة قراءة الخطط والاستراتيجيات، وإجراء مراجعة شاملة لمختلف الأحداث والتطورات، وضبط أداء القطاعات الاقتصادية والخدمية بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار.

إن التحولات التي تفرضها الحرب، وما يمكن أن تؤول إليه من سيناريوهات، تستلزم وجود هذا الفريق الوطني الذي يمكن ان تقوم مهامه على استقراء الوضع من مختلف جوانبه، وقراءة الأحداث الجارية بعمق، ووضع سيناريوهات للتطورات المحتملة، وتوجيه القطاعات المختلفة لاحتواء التأثيرات المتوقعة، ووضع آليات لاستيعاب تلك التحولات على المستويين القريب والبعيد، كما يتطلب ذلك أن يكون هذا الفريق أو المكتب أيًّا كانت تسميته على قدرٍ عالٍ من الكفاءة والخبرة، بما يمكنه من تشخيص الواقع وربطه بالمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية المحتملة، مع العمل على استثمار الفرص المتاحة عبر توظيف البنى التحتية المختلفة، كالموانئ والمطارات والطرق، وتعزيز الربط مع الدول الأخرى، خاصة أن هذه القطاعات تقع خارج نطاق الصراع المباشر، إضافة إلى متابعة التطورات العالمية المتسارعة، وإصدار تقارير دورية حول الأوضاع والأحداث وتداعياتها.

والجانب الآخر من الأهمية بمكان وضع المجتمع، بمؤسساته وأفراده، في صورة التطورات المختلفة، وطمأنته بالإجراءات والحلول التي تتخذها الدولة، خاصة فيما يتعلق بتوفير السلع والبضائع والخدمات، كما ينبغي تعزيز الجاهزية المجتمعية، والمبادرات المجتمعية، وتوفير الدعم اللازم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي قد تتأثر بهذه الظروف.

ويمكن للفريق أيضًا أن يضطلع بعدد من الأدوار المهمة، من بينها متابعة التطورات العالمية بشكل مستمر، وإصدار تقارير تحليلية دورية، ووضع خطط احترازية لمواجهة الأزمات الاقتصادية والأمنية، ومن المهم كذلك العمل على تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع مصادر الاستيراد، ودعم القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي وتهيئة الظروف اللازمة لتعزيز إنتاجيتها، إلى جانب حماية الأسواق من المضاربات والاحتكار.

إن إدارة الأزمات تمثل عنصرًا محوريًا في هذه المرحلة، ووجود رؤية واضحة لاستشراف الواقع وقراءة المستقبل يشكل الركيزة الأساسية التي يمكن من خلالها الحد من انعكاسات هذه الحروب وتأثيراتها، والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، فالدول التي تمتلك أدوات الاستشراف والتخطيط هي الأقدر على حماية اقتصادها ومجتمعها في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، كما أن تبني هذه الإجراءات من شأنه أن يسهم في استقرار الأسواق، والحد من الشائعات، ومنع إرباك الأسواق، والحفاظ على الثقة في الاقتصاد الوطني.

مصطفى المعمري 

 كاتب عماني