أيها الصائمون.. ونكمل معًا رحلتنا الرمضانية مع أنواع الماء في القرآن الكريم، نتدارس معًا نوعاً من أنواع الماء الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز مرة واحدة، ألا وهو (ماء غدقًا)، يقول تعالى:(وَأَلَّوِ ?ستَقَامُواْ عَلَى ?لطَّرِيقَةِ لَأَسقَينَاهُم مَّاءً غَدَقا، لِّنَفتِنَهُم فِيهِ وَمَن يُعرِض عَن ذِكرِ رَبِّهِ يَسلُكهُ عَذَابا صَعَدا) (الجن 16 ـ 17)، ومعنى (غدقًا): غدق: عينٌ غَدِقةٌ، وقد غَدِقَتُ، وقوله تعالى:(لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا) أي: فتحنا عليهم أبواب المعيشة لنختبرهم بالشكر، و(مطر مُغْدَوْدِقٌ) أي: كثير، و(الغَيْدَقُ والغَيْدَقانُ): عمُ، قال: جعد العناصي غبدقانا أغيدا.. بعدَ التصابي والشباب الغَيْدَقِ) (كتاب العين 4/ 353)، قَالَ اللَّيْث:(غدقت الْعين، فَهِيَ غَدِقَةٌ عَذْبة، وَمَاء غَدَق، قَالَ: وَقوله تَعَالَى:(وأنْ لَو استقَامُوا على الطَّرِيقَةِ لَاَسْقَيْنَاهُم مَّآءً..) (الْجِنّ ـ 16) أَي: لَفَتَحْنا عَلَيْهِم أبوابَ المعيشةِ، لِنَفْتِنَهُم بالشُّكرِ والصّبرِ، وَقَالَ الْفراء نَحوه، يَقُول: لَو استقاموا على طريقةِ الكفرِ لزِدنا فِي أَمْوَالهم فتْنَة عَلَيْهِم، وبليةً وَقَالَ غَيره:(وأنْ لَو استقَامُوا على طريقةِ الهُدى، لأسقيناهُمْ مَاء غَدَقًا) أَي: كثيرًا، وَدَلِيل هَذَا قولُ الله ـ جلّ وعزّ:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ) (الْأَعْرَاف ـ 96)، أَرَادَ بِالْمَاءِ الغَدَق: المالَ الكثيرَ) (كتاب تهذيب اللغة 8/ 32).
وقد دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالماء الغدق، روى الشافعي:(عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا مجللًا عامًّا طبقًا سُحًّا دائمًا.. اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين.. اللهم إن بالعباد والبلاد، والبهائم، والخلق من اللأواء، والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا) (كتاب «الأم» للإمام الشافعي (1/ 287، ط: الفكر)، وقيل:(يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: ماءً غَدَقاً، قال: أي ماءً كثيرًا جاريًا، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:(تدني كراديس مُلتّفًا حدائقها.. كالنبت جادت بها أنهارها غدقًا) (مسائل نافع بن الأزرق، غريب القرآن في شعر العرب ص69)، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ بَعْدَمَا رَفَعَ عَنْهُمُ الْمَطَرَ سَبْعَ سِنِينَ، وَقَالُوا مَعْنَاهُ: لَوْ آمَنُوا لَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَعْطَيْنَاهُمْ مَالًا كَثِيرًا وَعَيْشًا رَغَدًا وَضَرْبُ الْمَاءِ الْغَدَقِ مَثَلًا لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالرِّزْقَ كُلَّهُ فِي الْمَطَرِ، كَمَا قَالَ:(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ) (الْمَائِدَةِ ـ 66) وَقَالَ:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ) (الْأَعْرَافِ ـ 96). وَقَوْلُهُ تَعَالَى:(لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أَيْ: لِنَخْتَبِرَهُمْ كَيْفَ شُكْرُهُمْ فِيمَا خُوِّلُوا، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهَا وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَةِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ لَأَعْطَيْنَاهُمْ مَالًا كَثِيرًا وَلَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، عُقُوبَةً لَهُمْ وَاسْتِدْرَاجًا حَتَّى يَفْتَتِنُوا بِهَا فَنُعَذِّبَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْكَلْبِيِّ وَابْنِ كَيْسَانَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ:(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (الْأَنْعَامِ ـ 44) (تفسير البغوي - طيبة 8/ 241)، ويقول الفخر الرازي:(وَاعْلَمْ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالطَّاعَةِ سَبَبٌ لِانْفِتَاحِ أَبْوَابِ الْخَيْرَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُفْرَ سَبَبٌ لِخَرَابِ الْعَالَمِ، فَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ سَبَبًا لِخَرَابِ الْعَالَمِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ سَبَبًا لِعِمَارَةِ الْعَالَمِ، وَثَانِيهَا: الْآيَاتُ مِنْهَا هَذِهِ الْآيَةُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ) (الأعراف ـ 96)، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، كذا في (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 30/ 651).. فاللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا.
د. محمود عدلي الشريف