الأربعاء 11 مارس 2026 م - 21 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الرجال فـي القرآن الكريم «سماتهم وخصائصهم وأوصافهم» «8»

الثلاثاء - 10 مارس 2026 12:00 م

(أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ) كناية عن كساده، وضعف جهوده، واهتراء عقله، ومسيرته في الحياة، وهو يوضح أن هذا الشخص ـ بغض النظر عن الجهة التي يوجه إليها ـ لا يحقق فائدة حقيقية، فهو كالمخلوق العاجز.

لكن (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)؟!، وهذا الجزء يطرح سؤالًا بلاغيًا لتأكيد الفرق الكبير بينهما، فالمقابل هو الشخص الذي يدعو إلى العدل، فهو لا يزيغ عن الحق، ولا يميل عن الهدى، وينتفع الناس به، أي: أنه لا يمكن مقارنة شخص عاجز وغير نافعٍ، وخامل، ضعيف، كاسد، بشخص نشيط عامل، ينفع الناس، ويدعوهم إلى الحق، والعدل، والعمل.

وهذا المثل يشير هذا إلى أن الأبكم هو مثال للٱلهة المعبودة، وأن العاجز هو مثال للصنم الذي لا يقدر على فعل شيء، بينما من يأمر بالعدل هو مثال لله سبحانه وتعالى، الذي هو غني عن عباده، والآخر هو مثال للمؤمن الذي ينفعه الله بإيمانه، ويسير على طريق الهداية، والرشاد، والحق.

فهذا الرجل نور، ونافع، وعادل، وينشر الخير والحق، ويأمر بالعدل، وينتفع الناس به، ويعيش للناس: نفعًا، وعونًا، ونورًا، وهداية، وهو رمز للإيمان والصلاح بينما الرجل الثاني مظلم، وخامل، وعاجز، ولا يقدم للناس خيرًا، بل يعيش كالًّا وضعيفًا وعبئًا عليهم، يعتاش من جهودهم، ولا يقدم نفعًا لغيره.

والخامس عشر: الرجل العالم المتصدق المؤمن الذي يجعل غناه سببًا في القرب من الله، لا الرجل الذي يجعله الغنى بعيدًا عن ربه، متكبرًا على خلقه.

هذا صنف من الناس لم تخدعه زينة الحياة، ولا يتمكن المال من قلبه ود، وإنما يجعل المال وسيلة للصدقة والقيام بحقوق الفقراء، ويبذله في الحق، وابتغاء مرضاة الله، وينصح البخلاء الذين أعماهم المال عن ربهم، فجعلوه سببًا في طردهم من رحمته، وإبعادهم عن جنته، وقربه، ومودته، قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) (الكهف ـ ٣٢).

رجل جعل الله له جنتين، كلتاهما مثمرتان، ومحاطتان بنخل، وزروع، وفجر الله خلالهما نهرًا يسقيهما، وكان له صاحب طيب، مؤمن، فقير، أو أقل منه مالًا، وولدًا، وهذا الفقير يرى صاحب الجناين متكبرًا، متغطرسًا، مدلًا بجنتيه، وما فيهما من فواكه كثيرة، وثمار يانعة، وكان الرجل المؤمن ـ كما سلف ـ أقلُّ منه مالًا، وولدًا، لكنه أفضل منه قربًا، وصلة بالله، فلما رأى كبره، وارتكانه إلى جنتيه، وإلى أمواله نصحه بأن يكون متواضعًا، ويخرج متصدقًا من ثمار جنته للفقراء، وألا يدل بماله، وألا يمنع الناس حقهم في زكاة جنتيه، وأخبره بأنه بسلوكه هذا سيجعله كافرًا بالله، وبنعمه، وأن الله قادر على جعله أغنى منه، وأكثر مالًا، وأن الله قادر على سحب نعمه، وحرمانه منها، وإفقاره، وعليه أن يكون متواضعًا، غير متكبر، حتى لا يتعرض لابتلاءات الله، وإضاعة جنتيه، ولكنه لم يرعو، ويعود، وظل يتكبر، ويتغطرس، فالله ابتلاه بأن أحاط بثمره، فدمر له جنتيه، فصارتا خرابًا، ولم يعد فيها شيء يُذكر، وأمسى يقلب كفيه حزنًا، وأسى، وحسرة، وألمًا على ما أنفق فيها، ويراها، وهي خاوية على عروشها، لم تعد فيها ما يثمر، وراح عنها إنتاجها، فهو يتحسر نادمًا، ويقول: (يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا)، حيث لا ينفع الندم، ولا يجدي العدم، ولم يستطع أحد من الخلق تقديم أي نصرة له، وأمسى أفقر أهل المدينة جراء كفره، وكبره، وغطرسته، وارتكانه إلى أمواله، وأولاده، فما نفعه منهم أحد، ولا أنقذه، وأعانه أحد، وتقليب الكفين هنا هو كناية عن الحسرة، والندم فهو كناية عن صفة، لازمته مدى الحياة، وخرج الرجل الفقير غنيا بربه، متواضعًا لمولاه، وكسب رضاه، وقرباه، ونال مودته، ورحماه، وحصل جليل عطاياه، وتام عفوه، وكمال هداه.

فالرجولة هنا رجولة إيمان، وتواضع، واحترام، وتوقير لنعم الله، وصرف لها فيما خلقت له، وعدم التكبر بوفرة النعم، وكثرة المال، والولد، فالفقر مع الإيمان، والتواضع خير من الغنى، والظلم، والطغيان.

إن قراءة الٱيات يجعل المرء مدركًا لنعمة المال، والغنى، والثراء، ويحذر الكبر، والارتماء وراء المال والسراب، ونسيان رب الأرباب، وهو مثل لنا في أن نكون متوازنين، معتدلين، وخصوصًا عندما نبتلى بالمال الوفير، والخير الكثير، فهنا يجب أن نخاف، وأن نقترب من الله، ونسعى في هداه، واستنزال رحماه، بالتواضع له والتقوى ـ جلَّ الله في علاه.وفي الحقيقة، فإنّ الحديث عن صفات الرجال، وسماتهم، وخصائصهم في كتاب الله كثيرة، ويمكن الاطلاع عليها من خلال تصفح الٱيات كلها التي ورد فيها المفرد، والمثنى، والجمع لكلمة رجل،(في كتاب مثل: المعجم المفهرس لألفاظ القرٱن الكريم للأستاذ عبد الخالق عضيمة)، والوقوف على سمات الرجولة، وخصائصها تلك التي عرضت صفات أهلها، وبينت منازلهم، ووضحت مقاماتهم، وبينت أسباب مدح الله لهم، وشرحت فعالهم؛ حتى نكون مثلهم: طاعة، وعبادة، وطهارة، واعتقادًا، وقربًا من الله، وحبًّا، والتزامًا، وودًا.

د. جمال عبد العزيز أحمد 

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]