في شهر رمضان، ينطلق الصيام من إقليم العبادة الفرديَّة إلى إبراز أهميَّته في تشكيل الفضاء الأُسري، حيثُ إنَّ الصيام هنا يتحول من ممارسة شخصيَّة إلى لُغة مشتركة في الأُسرة الواحدة، فهي تُعِيد تعريف معنى الاجتماع، والانتظار، والمشاركة؛ ففي هذا الشهر، تُصبح الأُسرة وحدة زمنيَّة واحدة، تضبط ساعاتها على إيقاع واحد، وتلتقي يوميًّا عند مائدة واحدة، ولنَا أن نتخيَّلَ دَوْر ذلك في البُعد العاطفي العام داخل الأُسرة الواحدة.
التجمُّع العائلي على مائدة الإفطار إحدى أكثر الممارسات الرمضانيَّة عمقًا من الناحية الفلسفيَّة والاجتماعيَّة، الإفطار يُعالج العزلة اليوميَّة الَّتي فرضتها سرعة الحياة الحديثة ما قَبل رمضان إضافةً إلى دَوْره في إنعاش الجسد من الجوع والعطش، لكنَّه يُمثِّل تجسيدًا حقيقيًّا للأثَر النفْسي الإيجابي داخل نطاق الأُسرة حين تجلس الأُسرة معًا، وتتوقف الهواتف، ويُنتظر الأذان في صمْتٍ نسبي، يتكونُ شعور جمعي بالانتماء. هذا التوقف المشترك يُعِيد للأُسرة دَوْرها ويمنحها في الواقع مساحة الأمان النفْسي الجمعي، لا سِيَّما إذا رُدِّد الدُّعاء: اللَّهُمَّ إنِّي لك صُمْت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلَّتِ العروق وثبتَ الأجر إن شاء الله.
في الفكر الإسلامي، للاجتماع قِيمة أخلاقيَّة وتربويَّة. القرآن الكريم يربط بَيْنَ السَّكِينة والمَودَّة داخل الأُسرة، ويجعل التآلف أساسًا للاستقرار الإنساني. كما أنَّ السنَّة النبويَّة رسَّختْ قِيمة الاجتماع على الطَّعام، فهذا الاجتماع ينقل الأُسرة إلى حضور جسدي، وتواصُل بصري، واجتماع نفْسي في ظلِّ جوٍّ إيماني.
الأبناء، على وجْه الخصوص، يعيشون تجربة الصيام من خلال التفاصيل الصغيرة، ويكفينا أن نرَى انتظارهم لِمَا سيُقدَّم على المائدة، وكأنَّه تدريبٌ مباشر على الصَّبر وتأجيل الرَّغبة، وهو ما يُعلِّم الطِّفل أنَّ الإشباع لا يأتي فورًا، وأنَّ المشاركة تضيف للَّحظة قِيمة تتجاوز الفرد. الدراسات التربويَّة في هذا الشَّأن تُشير إلى أنَّ التجمُّعات الأُسريَّة المتكررة تترك أثرًا طويل المدى في تشكيل الاستقرار النفْسي لدى الأطفال، وتُعزِّز شعورهم بالانتماء والثقة فالوجبات العائليَّة المنتظمة ترتبط بخفض مستويات القلق لدى الأبناء، وبارتفاع مهارات التواصُل، وبقدرة أفضل على التعبير العاطفي. وهنا يتجلَّى شهر رمضان، بطبيعته، يفرض هذا النَّمط من الاجتماع دُونَ عناء تنظيمي، ويحوِّل الإفطار إلى موعد يومي ثابت، تنتظره الأُسرة بكامل أفرادها.
دَوْر الآباء في هذا السياق يتجاوز الإشراف إلى التربية بالقدوة، وهنا فرصة لأن يَقُومَ وليُّ الأمر بشرح سبب الانتظار، ومعنى الصيام، ويتعاملان مع الجوع بهدوء واتِّزان، يتعلم الأبناء أنَّ الصبر قِيمة مكتسبة. كما يظهر دَوْر آخر في تدريب الأبناء على أهميَّة السحور؛ لأنَّه درسٌ حقيقي في التخطيط، وتحمُّل المسؤوليَّة، وفَهْم الجسد والزمن، فإنَّ إيقاظ الأبناء بما يحمل هذا السلوك من مشاهد بعضها يصل للكوميديا ذات الأثر الطيِّب، ومشاركتهم الطَّعام في ساعة مبكرة، وتعليمهم أنَّ السحور عون على الصيام، يزرع لدَيْهم احترام النظام، وفَهْم العلاقة بَيْنَ الجهد والنتيجة.
في السنَّة النبويَّة، ورَدَ التأكيد على قِيمة السحور، كما في الحديث:
«تسحَّروا فإنَّ في السحور بركة» وهنا ترسيخ لفكرة أساسيَّة، فالسحور لحظة هادئة، يغلب عليها السُّكون، وتُبنى فيها علاقة خاصَّة بَيْنَ الآباء والأبناء، تَقُوم على الرعاية والانتباه.
من زاوية فلسفيَّة، يُمكِن النظر إلى الصيام بوصفه أداة لإعادة بناء الزمن الأُسري. الإفطار والسحور يحدِّدان إيقاع اليوم، ويمنحان الأُسرة نقطتي التقاء ثابتتين، ويأتي هذا في عالم تأثرت فيه الأُسرة بالتسارع المؤلم في العالم الحديث. إنَّ هذا الانتظام يُعِيد للأُسرة قدرتها على إنتاج المعنى الحقيقي للتجمُّع الأُسري، وعلى تربية أبنائها داخل تجربة مشتركة في جوٍّ إيماني رمضاني.
هكذا يؤدِّي الصيام دَوْرًا مزدوجًا: يزكِّي الفرد من الداخل، ويقوِّي الروابط من الخارج. وفي خضمِّ هذا البحر، تقف الأُسرة بوصفها السفينة الأولى الَّتي يتجسد فيها الإيمان سلوكًا، والصبر ممارسة، والتَّماسُك تجربة يوميَّة تتكرر مع كُلِّ أذان مغرب، وكُلِّ سحور هادئ قَبل الفجر.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr