يشهد العالم اليوم تحوُّلات معرفيَّة وثقافيَّة متسارعة، فرضتها الثورة الرقميَّة وتنامي تأثير المنصَّات الاجتماعيَّة، الَّتي أصبحت تمارس دَوْرا كبيرًا في تشكيل وعي الأفراد، ولا سِيَّما فئة الناشئة والشَّباب. ففي ظل هذا الفضاء المفتوح، تتدفق الأفكار والقِيَم والثقافات بلا حواجز، وتتجاوز الحدود الجغرافيَّة والثقافيَّة لِتصلَ إلى الناشئة دُونَ استئذان أو رقابة، حاملة معها رؤى متنوعة، بعضها إيجابي يُعزِّز المعرفة والانفتاح، وبعضها الآخر قد يتعارض مع القِيَم الثقافيَّة والاجتماعيَّة للمُجتمع.
وفي هذا الشَّأن، يبرز موضوع بناء الوعي النقدي للناشئة في عصر المنصَّات الرقميَّة، باعتباره أحد أهم التحوُّلات الَّتي يَجِبُ أن تتداركها منظومة التعليم، وفي الوقت نفْسه تحدِّيًا تواجه الأنظمة التعليميَّة والمُجتمعات المعاصرة. إذ لم يَعُد التحدِّي مقتصرًا على نقل المعرفة أو إكساب المهارات الأكاديميَّة، بل أصبح يتمثل في بناء شخصيَّة متوازنة تمتلك القدرة على الفهم والنقد والتمييز بَيْنَ الأفكار، وتستطيع التعامل بوعي مع ما تتعرض له من مؤثِّرات فكريَّة وثقافيَّة عَبْرَ وسائل الإعلام الحديثة والمنصَّات الرقميَّة.
لقد أسْهَمتِ المنصَّات الاجتماعيَّة والوسائط الرقميَّة في خلق بيئة معرفيَّة جديدة، يتعرض فيها الناشئة إلى كمٍّ هائل من المعلومات والآراء والشائعات والاتِّجاهات الفكريَّة، ولم تَعُدْ هذه المنصَّات مجرَّد أدوات للتواصل الاجتماعي، بل أصبحت فضاءات لصناعة الرأي العام وتشكيل الاتِّجاهات والقناعات وبناء وعي الناشئة. وفي ظلِّ هذا الواقع، باتتِ الأفكار المعلَّبة والرسائل الإعلاميَّة المختصرة والشائعات الرقميَّة و»الترندات» السريعة وصفحات ومواقع المروِّجين للدعاية والإعلانات، تمارس تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الوعي الثقافي والفكري لدى الناشئة. فالمحتوى الَّذي يتلقاه الطالب عَبْرَ هاتفه الذَّكي أو منصَّات التواصُل قد يحمل في طيَّاته تصوُّرات وقِيَمًا قد لا تتوافق مع خصوصيَّة المُجتمع وثقافته، الأمر الَّذي يفرض على المؤسَّسات التربويَّة مسؤوليَّة مضاعفة في تأهيل الناشئة للتعامل مع هذا المحتوى وعَبْرَ ترسيخ الفكر النقدي وبناء مهارة النقد في فِقه الطلبة. كما أنَّ الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونيَّة، والتطبيقات الرقميَّة، والرسائل المتداولة عَبْرَ الشبكات الاجتماعيَّة، قد يؤدي إلى بروز ظواهر متعدِّدة مثل انتشار الشائعات، والتشهير بالآخرين، والانجراف خلف الأفكار المتطرفة أو المنحرفة، فضلًا عن الإدمان الرَّقمي الَّذي يؤثِّر في قدرة الفرد على التفكير المتوازن والتحليل العميق، ومن هنا، يصبح تعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الناشئة ضرورة تربويَّة مُلحَّة؛ باعتبارها أداة أساسيَّة تُمكِّنهم من التعامل الواعي مع هذا التدفق الهائل من المعلومات.
إنَّ بناء الفكر النقدي لا يعني رفض الأفكار الجديدة أو الانغلاق أمام الثقافات المختلفة، بل محطَّة تحوُّل تُعِيد إنتاج الواقع وتتَّجه بالشخصيَّة الناشئة إلى العُمق والبحث فيما وراء المعلومات المعتادة والمعلَّبات الفكريَّة الرائجة والمتداولة، وبالتَّالي امتلاك القدرة على تحليل الأفكار ومراجعتها وتقييمها في ضوء محكَّات القِيَم والثوابت الوطنيَّة والثقافيَّة للمُجتمع. وبالتَّالي تصبح التربية النقديَّة خيار قوَّة في حياة الناشئة وبناء قدرة الأجيال على إدارة المواقف الفكريَّة أو ما يتعرضون له عَبْرَ هذه المنصَّات من أشكال التغرير الفكري والتأثير السلبي الَّذي يسلبهم حقَّ البحث والتأمل والفهم والوعي ليجدوا أنْفُسهم لقمة سائغة في أكمام هذه الذئاب البشريَّة عَبْرَ هذه المنصَّات؛ لذلك نعتقد بأنَّ الظواهر الفكريَّة كالإلحاد والنسويَّة وغيرها، إنَّما هي نتاج لغياب الفكري النقدي الَّذي يحافظ على فكر وقناعة الناشئة، وغياب التربية النقديَّة معناه غياب سدِّ الحماية للناشئة في هذه المواجهة. ومن هنا تصبح التربية النقديَّة مدخلًا لحماية الهُوِيَّة الفكريَّة؛ كونها تضع الناشئة في موقف قوَّة، إذ تمنحهم القدرة على الاختيار الواعي، وتساعدهم على التمييز بَيْنَ الصحيح والخاطئ، وبَيْنَ ما يتوافق مع قِيَمهم وما يتعارض معها. كما أنَّها تُعزِّز لدَيْهم روح الحوار والانفتاح والتفاعل الإيجابي مع العالم، دُونَ أن يؤدي ذلك إلى الانسلاخ الفكري أو الانبهار غير الواعي بما يطرح في الفضاء الرَّقمي، وهنا تؤدي التربية النقديَّة دَوْرها في تمكين الناشئة من التحليل العلمي والمعرفي الواعي للأفكار والمعلومات، وتعزيز القدرة على تقييم المحتوى الإعلامي والرَّقمي، وتنمية مهارات الاستدلال والحجَّة والبرهان، ناهيك عن بناء شخصيَّة مستقلَّة فكريًّا قادرة على اتِّخاذ القرار الواعي، الأمر الَّذي يؤدِّي إلى حماية الهُوِيَّة الثقافيَّة والوطنيَّة والسَّمْت العُماني من التأثيرات الفكريَّة السلبيَّة أو الصورة المشوّهة الَّتي قد تصل إلى الناشئة ويروّج لها حَوْلَ القِيَم والسَّمْت والأخلاق والالتزام؛ فإنَّ الناشئة الَّذين يمتلكون مهارات التفكير النقدي يصبحون أكثر قدرة على تفنيد الأفكار المعلَّبة وتصحيحها، وأكثر وعيًا بضرورة الاحتكام إلى القِيَم والأخلاق واستحضار الثوابت المُجتمعيَّة عند التعامل مع ما يَرِد في هذه المنصَّات الرقميَّة أو ما يتداول من «ترندات» وأفكار ومعلومات.
وفي ظلِّ هذه التحوُّلات، وانطلاقًا من الميزة التنافسيَّة للتعليم في تشكيل الوعي الجمعي للطلبة منذ نعومة أظفارهم، وجملة الممكّنات والفرص الَّتي تحتويها بيئة التعليم على مختلف المستويات التعليميَّة، وطبيعة الموجِّهات الَّتي يتعامل معها ويعمل على تحقيقها في حياة المتعلم، عَبْرَ استراتيجيَّات ومبادئ وسياسات وخطط وبرامج وأدوات ومناهج عمل ومساقات بحثيَّة واستدلاليَّة، سواء تلك الَّتي تتَّجه نَحْوَ بناء شخصيَّة المتعلم في مجالات ريادة الأعمال والابتكار، أو تلك البرامج الموجَّهة لصناعة شخصيَّة المتعلم لتحقيقِ الاستقلاليَّة والنقديَّة والعيش في بيئات غير اعتياديَّة لواقعه، أو تلك البرامج الَّتي تُعزِّز في المتعلم آليَّات اتِّخاذ القرار وتشخيص المُشْكلات وإبداء الرأي واقتراح آليَّات الوصول إلى قرارات عادلة تخدم الجميع؛ يبرز دَوْر التعليم كأكثر وأهم المؤسَّسات القادرة على تشكيل الوعي النقدي لدى الناشئة. وتصبح المدرسة والجامعة ليست مجرَّد مكان لتلقين المعلومات، بل فضاء تربوي وتعليمي ونموذج مصغر للوطن الكبير بما يحدُث فيه من تفاعلات وما يضمُّه من فئات وما يَدُور فيه من حراك داخلي يُسهم في بناء الشخصيَّة الإنسانيَّة المتكاملة، القادرة على التفكير والتحليل والتفاعل مع قضايا المُجتمع والعالم.
إنَّ بناء الشخصيَّة الفكريَّة للناشئة في عصر التحوُّلات الرقميَّة على الرّغم من أنَّه يُمثِّل تحدِّيًا أمام منظومات التعليم والإعلام والتشريع، إلَّا أنَّه في الوقت نفْسه فرصة لصناعة جيل أكثر وعيًا وقدرة على التفاعل مع ذاته وعالمه المختلف ومواجهة التناقضات والتباينات والصدمات بمزيدٍ من الحكمة والوعي والمهنيَّة، وهنا تتحول التربية النقديَّة من مجرَّد حماية الهُوِيَّة الوطنيَّة، إلى صناعة إنسان قادر على الإبداع والمشاركة في بناء مُجتمعه، وعندما يتمكن التعليم من غرس مهارات التفكير النقدي لدى الطلبة، فإنَّه يضعهم في موقع الفاعل المؤثِّر، ويمنحهم القدرة على الاختيار الواعي بَيْنَ الأفكار المختلفة، وتمييز الغثِّ من السَّمين، والصَّحيح من الخطأ، في ضوء قِيَمهم وثوابتهم الوطنيَّة. لِتبقَى التربية النقديَّة محطَّات أصيلة في صناعة الوعي الجمعي وبناء المستقبل، من خلال إعداد جيل يمتلك القدرة على فَهْم العالم، والتفاعل معه، والمساهمة في تطوير مُجتمعه، دُونَ أن يفقد هُوِيَّته أو ينفصل عن جذوره الثقافيَّة والحضاريَّة.
وعليه، فإنَّ اتِّساع حجم التحدِّيات الفكريَّة الَّتي تواجِه الناشئة اليوم، وانطلاقًا من أهميَّة صناعة التوازنات الفكريَّة في حياة الناشئة بَيْنَ إنتاج المعرفة والاختيار الواعي لمصادرها وبَيْنَ المحافظة على مستوى القوَّة في استحضار الثوابت والهُوِيَّة والخصوصيَّة الفكريَّة، والوقوف بحزم وجديَّة في التعامل مع المعلَّبات الفكريَّة والفكر السطحي المغلَّف بالشائعات والتأجيج والإثارة، تأتي أهميَّة تكاتف جهود منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها في تعزيز البناء الفكري الواعي في حياة الناشئة عَبْرَ رؤية شاملة تنطلق من مستهدفات رؤية «عمان 2040» لضمانِ تمكين الفرد من امتلاك الأدوات المعرفيَّة والنقديَّة الَّتي تساعده على التعامل الواعي مع الأفكار المختلفة. مع المحافظة على حضور القانون والنظام والتشريع في أبجديَّات المعادلة، بحيثُ تَضْمن الصورة النقديَّة الناتجة احترامًا للقانون والنظام، وتعظيمًا لشأنه، وتجسيدًا لوصفه، وهو أمْر يتأكد اليوم في دَوْر التعليم من خلال: تعزيز وبناء ثقافة الحوار والانفتاح الفكري في المؤسَّسات التعليميَّة؛ وتطوير برامج التوعية الرقميَّة الَّتي تُعزِّز الاستخدام المسؤول للتقنيَّة، ودعم المبادرات الشبابيَّة الَّتي تُسهم في بناء الوعي الثقافي والفكري والقانوني، ورفع مستوى التنسيق والشراكة بَيْنَ المؤسَّسات التعليميَّة والإعلاميَّة والمُجتمعيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة في بناء أُصول الثقافة النقديَّة ومساراتها وأدواتها بما يتناسب مع الحالة العُمانيَّة ويؤسِّس لمرحلة متقدِّمة من الوعي الجمعي النقدي الَّذي يحافظ على مسار الثوابت حاضرًا في تفاصيل النقد البنَّاء والرأي الآخر والأقلام المضادَّة.
د.رجب بن علي العويسي