الأربعاء 11 مارس 2026 م - 21 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : العشر الأواخر من رمضان بين الدماء والدعاء

أضواء كاشفة : العشر الأواخر من رمضان بين الدماء والدعاء
الثلاثاء - 10 مارس 2026 05:00 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

150

يحلُّ علينا شهر رمضان هذا العام بَيْنَما يمرُّ العالم بواحدة من أكثر مراحله اضطرابًا، حيثُ تتصاعد الحروب والنزاعات في مناطق عديدة وتسقط الضحايا يومًا بعد يوم، وتُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ويعيش الملايين بَيْنَ خوف وجوع وتشريد.. وفي خضمِّ هذا المشهد القاسي أقبلتْ علينا العشر الأواخر من رمضان.. هذه الأيَّام المباركة الَّتي جعلها الله فرصة للرحمة والمغفرة والعتق من النار.

إنَّ العشر الأواخر من شهر رمضان يتغيَّر فيها إيقاع الحياة في القلوب قَبل الأزقة، وتخفت ضوضاء الدنيا قليلًا لِتعلو همسات الدعاء.. فهي أيَّام ليست كسائر الأيَّام، وليالٍ تتَّسع فيها السماء لرجاء العابدين، وتُفتح فيها أبواب الرحمة كأنَّها تنتظر مَن يطرقها بقلب صادق.. فحين يدخل العشر الأخير يشعر المؤمن كأنَّ الزمن أصبح أثمن، وكأنَّ كُلَّ لحظة حبَّة لؤلؤ في عقدٍ قصير لا ينبغي أن تضيع.. لأنَّه يتهيأ للقاء ليلة عظيمة أخفاها الله في هذه الليالي لِتظلَّ القلوب ساهرةً تبحث عنها.. وهي ليلة القدر الَّتي تعادل عمرًا كاملًا من العبادة.. وفي هذه الأيَّام يتجلَّى معنى الاجتهاد الحقيقي.. فقد كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا دخلت العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، كأنَّها دعوة خالدة إلى اغتنام هذه اللحظات الثمينة.. فالحياة تمضي سريعًا، لكنَّ هذه الليالي تترك في القلب نورًا يبقى طويلًا بعد أن ينقضي رمضان.

إنَّ التأمل في واقع العالم اليوم يدفع الإنسان إلى التساؤل: كيف يُمكِن أن تجتمع أجواء العبادة والسَّكِينة مع أخبار الدماء والدمار؟ لكنَّ الحقيقة أنَّ هذا التباين ليس جديدًا في تاريخ الأُمَّة.. فقد جاءت أعظم اللحظات الروحيَّة في الإسلام في أوقات كانت مليئة بالتحدِّيات والشدائد.. ففي شهر رمضان نفْسه وقعت غزوة بدر الكبرى الَّتي كانت معركة فاصلة بَيْنَ الحقِّ والباطل.. وفيه أيضًا حدَث فتْح مكَّة الَّذي أنهى سنوات طويلة من الصراع.. وكأنَّ التاريخ يذكِّرنا بأنَّ رمضان لم يكُنْ يومًا شهر عزلة عن قضايا الأُمَّة، بل كان دائمًا شهر القوَّة الروحيَّة الَّتي تمنح المؤمن القدرة على مواجهة المِحن.

واليوم.. بَيْنَما تتوالى أخبار الحروب والصراعات تُصبح العشر الأواخر من رمضان فرصةً حقيقيَّة لمراجعة النفْس والعودة إلى الله.. فرُبَّما كانت هذه الأزمات رسالة توقظ الضمائر، وتدفع البشريَّة إلى إعادة التفكير في طريقها.. فالحروب لا تصنع سلامًا دائمًا، والقوَّة وحدها لا تبني مستقبلًا آمِنًا، وإنَّما تبنيه القِيَم والعدل والرحمة.

وفي هذه الليالي المباركة، حيثُ يتحرى المُسلِمون ليلة القدر الَّتي هي خير من ألف شهر يتضاعف الشعور بالمسؤوليَّة تجاه ما يحدُث حَوْلَنا.. فالدعاء في هذه الأيَّام ليس مجرَّد كلمات تُقال، بل هو تعبير عن تضامن إنساني عميق مع كُلِّ مظلوم وجريح ومشرَّد.. ورفع الأكف بالدعاء للسَّلام وحقن الدماء قد يكُونُ أضعف الإيمان، لكنَّه يظلُّ علامة على أنَّ ضمير الإنسانيَّة ما زال حيًّا.

كما أنَّ العشر الأواخر تذكِّرنا بمعنى آخر بالغ الأهميَّة.. وهو أنَّ الظُّلم مهما طال أمَدُه لا يدوم، فالله سبحانه وتعالى جعل في سُننه أنَّ للباطل جولة، وللحقِّ جولات، وأنَّ الأيَّام دوَل بَيْنَ الناس.. ولذلك فإنَّ الإيمان الحقيقي في أوقات الأزمات لا يقوم على اليأس، بل على الثقة بأنَّ الفرج قريب مهما اشتدَّ الظلام.

ومن هنا فإنَّ رسالة رمضان في ظلِّ هذه الأحداث العالميَّة يَجِبُ أن تكُونَ رسالة إصلاح وسلام تبدأ من الفرد قَبل المُجتمع.. فالإسلام الَّذي يدعو إلى قيام الليل والصيام والصدقة هو نفْسه الَّذي يأمر بالعدل، وينهى عن الظُّلم والعدوان.. ولعلَّ العالم اليوم في أمَسِّ الحاجة إلى أن يستمع إلى رسالة الرحمة الَّتي جاء بها الإسلام والَّتي تتجلى بأسمى صوَرها في ليالي رمضان.. فربَّ ركعة صادقة أو دمعة خاشعة أو دعوة مخلِصة في جوف الليل تكُونُ بداية تغيير لا ندرك أثَره الآن.

إنَّ العشر الأواخر من رمضان ليست مجرَّد أيَّام في التقويم، بل مواسم للعودة.. عودة القلب إلى خالقه.. وعودة الإنسان إلى ذاته الَّتي كادت أن تضيع في صخب الحياة.. بل فرصة لتجديد الأمل في زمن يمتلئ بالقلق.. فكما يتبدل الليل فجرًا، وكما يعقب الضيق الفرج، فإنَّ هذه الأُمَّة، بل والإنسانيَّة كُلُّها قادرة على أن تخرج من دوَّامة الصراع إلى رحابة السَّلام.. إذا عادتِ القلوب إلى خالقها، واستحضرتْ معنى الرحمة الَّتي بُعث بها النَّبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ رحمةً للعالَمِين.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني