الأربعاء 11 مارس 2026 م - 21 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

فنون السلام معاكسا لفنون الحرب

فنون السلام معاكسا لفنون الحرب
الثلاثاء - 10 مارس 2026 04:54 ص

أ.د. محمد الدعمي

10


إذا ما حاول المرء رصد ودراسة تواريخ الحضارات العظمى في التاريخ، فإنَّه لا بُدَّ وأن يكتشف حقيقة مفادها أنَّ هذه الحضارات المحترمة هي من إنجاز وثمرات «فنون السَّلام»، وليس «فنون الحرب»، بدليل أنَّ مراحل السَّلام والاستقرار المتجايل عكس مراحل الحروب والقتال والصدامات هي الَّتي تشهد كُلَّ ما من شأنه تحقيق التقدُّم العلمي، بل وحتَّى الثقافي والاجتماعي الَّذي يخدم رفاهيَّة الإنسان ويُعزِّز تفكيره في البناء والاكتشاف والإبداع والابتكار، معاكسات لتفكير الإنسان في كُلِّ ما من شأنه التخريب والهدم والقتل والإيذاء، عَبْرَ مراحل الصدام والحروب.

وتأسيسًا على هذه الحقائق الَّتي أفرزها لنا التاريخ كَيْ نتأملها برويَّة ودقَّة عاليتيْنِ، يُمكِن للمرء أن يدركَ جيِّدًا: لماذا بَقِيَتِ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة على قمَّة هرم التقدُّم والحضارة العالميَّة منذ تأسيسها وطوال زمن طويل.

السَّبب الحقيقي لتفوُّق الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة على سواها من دول العالم وكُتله الدوليَّة هو موقعها الجغرافي الفريد، إذ بَقِيَتْ ولاياتها في منأى عن حروب العالم الطاحنة الرئيسة (ومنها حربان عالميَّتان)، وذلك بفضل المسطَّحات المائيَّة الشاسعة الَّتي فصلتها عن «العالم القديم»، أوروبا وإفريقيا وآسيا، الأمر الَّذي أتاح لها البقاء بعيدًا عن أدوات الهدم والدَّمار العسكريَّة الَّتي لا يُمكِن أن تصلَ البَر الأميركي (عَبْرَ المحيطين الأطلسي والهادئ) بالسهولة الَّتي تُمكِّنها هي من عبور البحار السبعة نَحْوَ أوروبا وآسيا وإفريقيا خدمةً لمصالحها وأهدافها القريبة والبعيدة المدى.

والحقُّ، فإنَّ هذه الميزة هي الَّتي تفسِّر تفوُّق الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة على سواها من دول العالم، خصوصًا وأنَّ اهتمامها عَبْرَ تاريخها القصير قد تركَّز على «فنون السَّلام»، أي فنون البناء والرفاه، معاكسات لـ»فنون الحرب»، إذ تستهلك الأخيرة الإنسان والضَّرع والزَّرع والثَّروات بلا جدوى، لبالغ الأسف!

وهنا، ربَّ مَن يسأل: كيف، إذن، تمكنتْ واشنطن من أن تبقى متفوقة عسكريًّا (أقوى دولة في العالم كافَّة)؟ فإنَّ الجواب على هذا السؤال هو: إنَّها تركِّز كذلك على تطوير وتقدُّم فنون الحرب المتاحة لدَيْها من أجْلِ حماية نفْسها وما أنجزته من تقدُّم تقني وعسكري: فإذا ما أراد المرء الاستمتاع بما لدَيْه من ثروات وأموال ونعيم، فإنَّ عليه الاهتمام بـ»فنون السَّلام» سويَّة مع الاهتمام بـ»فنون الحرب» بهدف حماية ما لدَيْه من رفاه وتقدُّم و»نعيم»، إذا صحَّ التَّعبير في هذا السِّياق.

الخلاصة، إذا ما أرادت قيادة معيَّنة في أيِّ بلد عَبْرَ العالم أن تخدمَ شَعبها وتجنِّبَه آلام الويل والثبور النابعة من الحرب، فإنَّ عليها أن تحافظَ على شَعبها بعيدًا عن كُلِّ معترك عنيف، وعن أيِّ ارتطام عسكري يؤدِّي إلى الخراب والقتل. هكذا تُبنى الحضارات الحقَّة عَبْرَ «فنون السَّلام» في الطِّب والهندسة والفنون والآداب لخدمة الإنسان ورفاهيَّته، بدلًا عن تلك الفنون المكرَّسة لقتل الإنسان وتعويقه وهدم منجزاته من خلال وضع العصا في عجلة تقدُّمه!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي