أجلس في مكتبي القديم حيث الأوراق المكدسة فوق بعضها البعض، تمر الأيام متشابهة الملامح، رتابة الأيام تنخر مسار حياتي، وتغلفه بطبقة من البلادة التي تتسلل خفية إلى مسامات جسمي، وتغزوه في حرب أقف أمامها وحيدة معزولة تائهة بلا سلاح ولا عتاد.
اليوم أنظر إلى الأوراق التي طالما قلبتها بلا مبالاة، أحدق في أطرافها الحادة، أنظر إلى الحبر، إلى الكلمات التي خطت بتنسيقات مختلفة، أتنفس بهدوء وأصمت.
أُرجع ظهري إلى الخلف، تنتابني حالة من الضيق والكسل، كل شيء من حولي يزيدني وجعًا وإحساسًا بالتهميش.
الوهن يصبح فارسًا ملثمًا يحمل سلاحه ويسيطر على كل التفاصيل من حولي، أكثر الأمور التي تشعرني بالمرارة هو عجزي عن التأقلم في المحيط الذي أنتمي إليه، بينما تصلني أصوات زميلاتي وضحكاتهن، أجد نفسي دائمًا في محيط الغربة الشاسع والاغتراب الذي لا ينتهي.
في وسط الجماعة تحملني الأفكار إلى عوالم كثيرة لا أحب الأحاديث المكررة، ولا الضحكات المصطنعة، ولا الكلام عن بطولات الزوج وعالم الأطفال، كل تلك العبارات تصبح مع مرور الوقت فقاعة هواء ضخمة تحبس عني الهواء والنور والجمال. أعود إلى واقعي تسقط مجموعة من الأوراق إثر هواء التكييف، أرمقها بهدوء، تزعجني أسراب البعوض التي تخرج في جماعات لتترك على جسمي آثارًا وبقعًا حمراء تتحول بعد حكها إلى حبوب كبيرة تسبب انتفاخًا في أجزاء كثيرة من قدمي ويدي. يصيبني العمل المكتبي دائمًا بالإحباط وأنا الشخصية النشيطة المتحركة التي لا تهدأ منذ أن كنت صغيرة كنت أتحرك من بقعة لأخرى دون توقف، يشعرني السكون بالموت البطيء أفقد القدرة على التركيز، ورغم تلك الطاقة العميقة التي تجتاح جسمي وتدفعني للتحرك، غير أني منذ بدايات حياتي العملية قلصت من دائرة علاقاتي الاجتماعية بشكل كبير.
فضح عملي المكتبي المتواضع هشاشة دواخلي بشكل سافر، رغم أني حاولت بشتى الطرق فتح بعض المنافذ لبعض الأشخاص الذين مروا في محطات حياتي المختلفة، التجارب القليلة التي مررت بها جعلتني حذرة، ودفعتني لأبني سورًا صلبًا حول حدودي لا تمسه يد ولا تدوسه أي قدم.
لم يكن العمل المكتبي من ضمن خياراتي، لكنه كان الخيار الوحيد بعد أن سيطر على حياتي الملل ونسج شباكه حتى خنقني، وأصبحت أنفاسي تخرج محملة بالآهات والحسرات.
عدلت من وضعية جلستي على الكرسي الذي أصدر صريرًا مزعجًا، أغمضت عيني بينما كانت الأصوات تصل من المكاتب المجاورة محملة بالضحكات المتواصلة، أردت أن أتخلص من فوضى تلك الأصوات التي لا تهدأ، خرجت من مكتبي بتثاقل، تجاوزت ورقة سقطت بعشوائية على الأرض، مشيت على طول الممر المزدحم بالغبار والصمت، شعرت بشيء من الراحة حين لم تصلني أصداء الأصوات.
صارت الدائرة الضيقة التي تكبلني تتسع من حولي، غمرتني أشعة الشمس، لم أشعر بحرارتها رغم أننا في منتصف النهار.
تنفست بصوت مسموع، طردت ذرات الكسل والبلادة التي بدأت تتسلل إلى مساماتي، رغم الصمت والهدوء شعرت بأني ملكة تسير بخطى واثقة على طول الممر المرصوف.
لم أشعر بمرور الوقت وحدها أصوات الصيف تسيطر على المكان، وصمتي يلفني، والحرارة تنبعث من الموجودات.
عدت نحو المكتب مكرهة، بخطوات ثقيلة، جلست في نفس المكان، وحدقت في كل الأوراق، ورمقت شاشة الحاسوب بحزن.
كان صوت المكيف ثقيلا على سمعي، عدلت من وضعيتي، ورتبت مجموعة من الأوراق النائمة على مكتبي. بدأ الملل يسيطر على كل الموجودات من حولي...
د. أمل المغيزوية
كاتبة عمانية