الثلاثاء 10 مارس 2026 م - 20 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : رسالة سلطنة عمان إلى العالم: الإنسان أولا.. فلنوقف الحرب

في العمق : رسالة سلطنة عمان إلى العالم: الإنسان أولا.. فلنوقف الحرب
الاثنين - 09 مارس 2026 06:30 ص

د.رجب بن علي العويسي

10


في ظلِّ معطيات الحرب على إيران، وما تشهده المنطقة من تصعيد عسكري، وخِطابات متشنجة، واستعراض للقوَّة، تزداد الحاجة إلى أصوات الحكمة الَّتي تُعلي من قِيمة الإنسان وتضع أمنه وسلامته فوق كُلِّ اعتبار. وفي منطقة الخليج الَّتي تتقاطع فيها المصالح والتحدِّيات، يُصبح الحفاظ على الاستقرار الوطني والأمن الإنساني والسَّلام الداخلي أولويَّة عُليا، ومسؤوليَّة أخلاقيَّة قَبل أن يكُونَ موقفًا سياسيًّا. فإنَّ الحراك السياسي والدبلوماسي واسع النطاق لاحتواء التصعيد العسكري، الَّذي يَقُوده حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحكومته الرشيدة مع قيادات المنطقة والعالم، نهجًا متزنًا ومسارًا حكيمًا تنتهجه سلطنة عُمان، تأكيدًا لمسؤوليَّتها التاريخيَّة في دعم السَّلام وتعزيز الحوار وسياسة الحياد الإيجابي، من خلال نهج الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر بَيْنَ الأطراف المتنازعة، وتغليب الدبلوماسيَّة المسؤولة كخيار استراتيجي دائم، عَبْرَ سياسات متوازنة ومسؤولة؛ ونموذجًا فريدًا في تجسيد إنسانيَّة السياسة والأمن في عُمان الَّتي تجعل من حماية الإنسان والمحافظة على سلامته أولويَّة وخيار قوَّة والتزامًا وطنيًّا.

وفي هذا السياق، جاءت تغريدة معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة في حسابه في منصَّة (X) لتجسِّدَ هذا المعنى الإنساني العميق لإنسانيَّة الأوطان، حين قال: «لكُلِّ مَن يرغب في العودة إلى الوطن من دول الخليج، تعمل الحكومة العُمانيَّة بالتنسيق مع حكوماتكم وشركات الطيران الدوليَّة لتنظيم رحلات جويَّة لإعادتكم إلى دياركم، ونعني بذلك الجميع، بِغَضِّ النظر عن جواز سفركم، فمواطنو جميع الدول لهم الحقُّ الإنساني في الأمن والسَّلامة. فلنوقف الحرب الآن».

إنَّ هذه الكلمات تختصر فلسفة متكاملة في إدارة الدَّولة، حيثُ يتقدم الإنسان فوق كُلِّ اعتبار، وتُصبح كرامته وسلامته الهدف الأسمى لكُلِّ السياسات، فهي ليست مجرَّد موقف إنساني لحظي، بل تعبير صادق عن رؤية عُمانيَّة راسخة تؤمن بأنَّ الأمن الحقيقي يبدأ من حماية الإنسان وصون كرامته وتحقيق الأمان النفْسي والجسدي له، وتوفير سُبل العيش الكريم له.

إنَّ سلطنة عُمان وطن الأمن والأمان، وواحة السَّلام والوئام، وبلد التسامح والتعايش والتعدديَّة، كان لها في عالم الإنسان وحضارته صولات وجولات، وحضور وكلمة، ونهج وحكمة، ضربت للعالمين نموذجًا للدَّولة المعاصرة، وأسَّستْ نهجًا حضاريًّا متوازنًا لعالم يَسُوده الوئام، وترفرف على أراضيه أجنحة السَّلام، وبَيْنَما يعيش العالم المعاصر في شرقه وغربه الكثير من الاختلالات في مساراته وقراراته وتوجُّهاته وأيديولوجيَّاته، وضعت عُمان لنفْسها مسارًا محمودًا، ومنهجًا مشهودًا، وطريقًا مستقيمًا لا يعرف للتعرُّجات دليلًا، ليجنِّبَها كُلَّ أسباب الخلاف، ويُبعدَها عن مسبِّبات القلق ودواعي الفُرقة والتشتُّت والخلاف، ويكتب لها الوفاء لمبادئها والثبات على منهجها المتوازن، لعالم تتناغم أهدافه مع احتياجات الإنسان، وتتفاعل أنظمته مع استقرار الأوطان، وعلى مدى خمسة عقود وأكثر؛ عاش العُمانيون حياة العزَّة والكرامة، والتقدير والاحترام الَّذي أصَّلته سِيرتهم العطرة وأخلاقهم الرفيعة ونهجهم المتسامي فوق الخلاف، ومنهج قيادتهم الحكيمة في إدارة الدَّولة وبناء الإنسان حتَّى نالت قصب السَّبق وسَمَتْ بحُسن الذِّكر وارتقَتْ بصِدق الحضور، وسياسة الحكمة.

ومن هنا يُمكِن فَهْم التجربة العُمانيَّة باعتبارها تجربة إنسانيَّة متكاملة في بناء الدَّولة، حيثُ نجحت سلطنة عُمان في ترسيخ مفهوم متوازن للأمن يَقُوم على الجمع بَيْنَ الاستقرار السياسي والتنمية الشاملة والكرامة الإنسانيَّة، لتصبحَ بحقٍّ وطنًا للأمن والأمان، وواحةً للسَّلام والوئام، وبلدًا للتسامح والتعايش والتعدديَّة. ولقد كان لسلطنة عُمان عَبْرَ تاريخها الطويل حضور فاعل في مَسيرة الحضارة الإنسانيَّة، حيثُ أسْهَم العُمانيون في نشرِ قِيَم الحوار والتعايش بَيْنَ الشعوب، وعرفوا بأنَّهم بناة جسور بَيْنَ الحضارات، لا صنَّاع حروب أو نزاعات. وقد انعكس هذا الإرث الحضاري في الشخصيَّة العُمانيَّة الَّتي ما زالت حتَّى اليوم تنطلق من قِيَم الاعتدال والحكمة واحترام الآخر.

وفي عالم يعيش الكثير من الاختلالات في مساراته السياسيَّة والفكريَّة، اختارت عُمان لنفْسها طريقًا واضحًا يَقُوم على الاتزان والاعتدال ونأت بنفْسها عن أسباب الخلاف والصراع، بل أوجدتْ مسارًا آخر يَقُوم على نهج التوازن والحكمة واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وضبط النفْس والوقف الفوري للأعمال التصعيديَّة، والعودة إلى مسارات الحوار والدبلوماسيَّة بما يصون أمن واستقرار المنطقة وسلامة شعوبها؛ ودعم السَّلام وتعزيز الحوار وسياسة الحياد الإيجابي، من خلال نهج الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر بَيْنَ الأطراف المتنازعة، وتغليب الدبلوماسيَّة المسؤولة كخيار استراتيجي دائم، عَبْرَ سياسات متوازنة ومسؤولة ووفْقَ قواعد القانون الدولي بما يُسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق السَّلام العادل. لـ»تظلَّ رسالة سلطنة عُمان للسَّلام تجوب العالم، حاملةً إرثًا عظيمًا، وغاياتٍ سامية، تَبني ولا تهدم، وتقرِّب ولا تُباعِد»، ولذلك استطاعت السَّلطنة أن ترسِّخَ لنفْسها مكانة دوليَّة تَقُوم على الثقة والاحترام، وأن تُقدِّمَ نموذجًا للدَّولة الَّتي توازن بَيْنَ مصالحها الوطنيَّة ومبادئها الإنسانيَّة.

وعلى مدى خمسة عقود من مَسيرة النهضة الحديثة، عاش العُمانيون حياة تَقُوم على العزَّة والكرامة والاستقرار، في ظلِّ قيادة حكيمة آمنتْ بأنَّ بناء الإنسان هو أساس بناء الوطن، وأنَّ التنمية الحقيقيَّة لا تتحقق إلَّا عندما يشعر الإنسان بالأمن والأمان والطمأنينة في وطنه. ولذلك لم يكُنْ هذا الاستقرار وليد الصدفة، بل جاء نتيجة منظومة متكاملة من العمل الوطني تشارك فيها مؤسَّسات الدَّولة المختلفة، وفي مقدِّمتها القوَّات المُسلَّحة والأجهزة الأمنيَّة الَّتي أدَّتْ دَوْرًا أساسيًّا في ترسيخ الأمن والاستقرار وتعزيز قِيَم الانتماء والمسؤوليَّة الوطنيَّة. وقد عَبَّرَ حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم عن هذا الدَّوْر في خِطابه حين قال: «ولولا ثبات ورسوخ الأمن وانتشار الأمان في رُبوع هذه البلاد الَّذي ما كان ليتحقَّقَ إلَّا بوجود قوَّات مُسلَّحة جاهزة وعصريَّة ومعدَّة إعدادًا عاليًا بكُلِّ فروعها وقِطاعاتها وأجهزة أمنيَّة ضمنت استقرار البلاد واحترام المواطنين فنحن نقدِّر دَوْرها العظيم لضمانِ منجزات ومكتسبات البلاد ونؤكِّد على دعمنا لها واعتزازنا بِدَوْرها.»

إنَّ هذه الرؤية المتوازنة تعكس بوضوح عُمق فلسفة إنسانيَّة الأمن في عُمان، وهي فلسفة تَقُوم على أنَّ الأمن ليس مجرَّد إجراءات تنظيميَّة أو تدابير احترازيَّة، بل منظومة قِيَميَّة وأخلاقيَّة وتنمويَّة وإنتاجيَّة وتفاعليَّة متكاملة غايتها تعظيم كُلِّ ما يُعزِّز حياة الإنسان ويحفظ كرامته ويَضْمن له الاستقرار والعيش الكريم؛ فالأمن في المفهوم العُماني هو حماية الإنسان قَبل كُلِّ شيء، وصون حقوقه، وتوفير بيئة مستقرَّة تتيح له العمل والإبداع والمشاركة في بناء وطنه، وهو أيضًا تعزيز للثقة بَيْنَ المواطن ومؤسَّسات الدَّولة، وترسيخ لروح المسؤوليَّة المشتركة في الحفاظ على مكتسبات الوطن.

وأدَّت قوَّات السُّلطان المُسلَّحة والأجهزة الأمنيَّة العُمانيَّة دَوْرًا محوريًّا في تجسيد هذه الفلسفة على أرض الواقع، حيثُ لم يقتصر دَوْرها على حفظ الأمن والنظام، بل امتدَّ لِيشملَ المشاركة في دعم مَسيرة التنمية الوطنيَّة، وتعزيز روح الانتماء والولاء لدى المُجتمع، وترسيخ قِيَم التعاون والتكافل بَيْنَ أبناء الوطن، كما أسْهَمتْ في بناء وعي مُجتمعي يَقُوم على احترام القانون وتعزيز المسؤوليَّة الوطنيَّة، بحيثُ يصبح الأمن ثقافة مُجتمعيَّة مشتركة يعيشها المواطن في سلوكه اليومي، ويؤمن بأنَّها جزء من واجبه تجاه وطنه ومُجتمعه؛ فإنَّ فلسفة إنسانيَّة الأمن في عُمان تَقُوم على رؤية شموليَّة ترى في الإنسان القِيمة المضافة لكُلِّ مشروع تنموي، والركيزة الأساسيَّة لأيِّ نهضة وطنيَّة. ولذلك حرصتِ السَّلطنة على الاستثمار في الإنسان العُماني تعليمًا وتأهيلًا وتمكينًا، لِيكُونَ قادرًا على الإسهام في بناء مستقبل وطنه والدِّفاع عن مكتسباته.

لقد وازنت سلطنة عُمان في تعاملها مع أحداث العالم، وقرأتها قراءة متأنيَّة فاحصة، مستوعبة دروس الماضي وأحداثه، وحضارة عُمان بما حملته في كُلِّ عصورها من أسباب القوَّة والعظمة، فكان ذلك كُلُّه مقاييس للأداء، ومعايير انطلقت منها لرسم خريطة المستقبل، وهي تنظر في الإنسان القِيمة المضافة الَّتي تحرِّك مسارات التنمية، وترسم مسارات الإنجاز، فقد أثمر ذلك عن تقدير العالم أجمع لعُمان وسياستها الخارجيَّة، وحافظتْ عُمان على نهجها القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخليَّة، والدعوة الدائمة إلى الحوار والتفاهم في معالجة النزاعات. وقد أكسبها هذا النهج احترام المُجتمع الدّولي وثقته، وجعلها نموذجًا للدَّولة الَّتي تسعى إلى تعزيز السَّلام والاستقرار في محيطها الإقليمي والدولي.

أخيرًا؛ وفي ظلِّ تسارع الأحداث واتساع التصعيد، تظلُّ دعوة سلطنة عُمان المستمرة إلى وقف الحرب واختيار منطق الحوار، صوت الحكمة والعقل، وخيار القوَّة الحقيقيَّة للمنطقة، إيمانًا منها بأنَّ التنمية والسَّلام صنوان لا يفترقان، وهما الطريق الأمثل لبناء مستقبل الشعوب ونهضة الدول.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]