مع اكتشاف أول قطرة نفط في الشرق الأوسط، علِمَ المُستعِمر أن أجداده قبل سنوات لم يكونوا على خطأ عندما جنَّدوا كبارهم وصغارهم، أمواتهم وأحياءهم، من أجل تسيير الجيوش إلى الشرق فيما سُمي بالحملات الصليبية، قيل يومها إن مهمتهم هي استعادة الصليب والبلاد التي احتلها العرب والمسلمون، بينما الحقيقة هي السيطرة على المقدرات الاقتصادية للشرق، تلك القطرة أصبحت لعنةً على شعوب الشرق رغم مظاهر الحداثة والتمدُّن التي أحدثتها، أُعطي لبلدان الشرق ما يُشبه (الاستقلال) والذي تم بعد تثبيت (الاستغلال) لمقدرات وثروات المنطقة بطُرق مباشرة وغير مباشرة. اللعنة التي أقصدها هنا هي تلك الحروب التي تتناسل في الشرق الأوسط بين حروب أهلية أو حروب بين الدول العربية نفسها أو بينها وبين الكيان الغاصب الذي أسَّسه وتبنَّاه حَفَدة جنود الجيوش الصليبية، ما أن تنام حرب إلَّا وتوقظ حروبًا أخرى قبل أن تنام، مناطق الشرق الأوسط أصبحت مسرحًا ومرتعًا لأحدث الأسلحة، تلك القطرة التي هي في الأساس دمعة.
المواطن في بعض دول المنطقة لم يُصبح مثل القرود الثلاثة: لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم، بل أصبح لا بمحض إرادته، إن تبقت له إرادة، بل بمحض وقوة من يملك وسائل الإعلام المختلفة لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم إلَّا بما أُريد ويُراد له أن يسمع ويرى ويتكلم من قِبل أباطرة ومُلَّاك وسائل الإعلام، هو مُسيَّر في هذا وليس مُخيَّرًا في هذا، هم والسياسيون يملكون وسائل الإعلام، وعندهم الحقيقة، وأول أهدافهم قتل الحقيقة أو طمسها في أحسن الأحوال.
أصبح الإنسان أو (ما تبقى من إنسانيته بعد أن سُلبت منه) عارفًا لأسماء مختلف الأسلحة والطائرات والصواريخ وغيرها من آلات الفتك والدمار لكثرة سماعها يوميًّا من أجهزة التلفاز، أمسى خبيرًا في أسماء الدبابات ومواصفاتها ومضاداتها، يحفظ أسماء الصواريخ عن ظهر قلب وبطن دماغ، الطائرات في أي دولةٍ صُنعت ومن أي قبيلةٍ كانت يعرفها وكأنَّه سيأكلها على العشاء أو سينام معها على السرير، وهذا ما ينطبق على حاملات الطائرات والبوارج والألغام، يعرف كل هذا، ويعلم أنه لا يستطيع أن يحرك ساكنًا، الحقيقةُ المؤكدة عنده أنه سيذرف الدموع وسيبكي قبل أن ينام بعد أن يعرف أعداد الضحايا والأبرياء، سيبكي حتمًا دون أن يسمع بكاءه أحد.
مع كل حربٍ تنشب، تلقائيَّا سيتخزَّن في ما تبقى من ذاكرته أسماء رؤساء الدول المتحاربة، وزراء الدفاع ونواب الرؤساء، حتمًا لن يستطيع نسيان وجوههم بأشكالها المتناقضة، تصريحاتهم وخطبهم سوف تطغى على أصوات العصافير التي تُغرِّد خارج الغرفة، فقط سيستمع إلى شلَّالات من الكلام الأجوف الكاذب في معظمه.
يقول الشاعر (كلنا في الهمِّ شرق)، الواقع الحالي يقول: كلنا في الحروب ضحايا، ليس الضحية فقط من يُطلَق عليه الرصاص، أو يُقصَف منزله بصاروخ ليتهدم على رؤوس من كانوا ساكنيه، ليس الضحايا طالبات مدرسة يطلبن العِلم وينشدن السلام وبكبسة زر من طيارٍ مجنون (حاشا الجنون عنه) تُستشهد ما يقارب المائتين من الطالبات ليرجعن إلى أهاليهن جُثثًا متفحمة إن تبقت جُثث، ليس هؤلاء فقط هم الضحايا، بل من ضمنهم من يشاهد هذا على التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي وهو يتساءل (متى عليه الدور؟)، هو الذي ينام وقطرات من دموع عينيه تسيل على خده، متمنيًا أن يغرق في قطرة نفط.
ناصر المنجي
كاتب عماني