(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين): هي دعوة صريحة إلى الاعتماد التام على الله بعد الأخذ بالأسباب (الدخول، والقتال) لأن النصر من الله وحده، وإذا كانوا مؤمنين حقًا، فإنهم سيفعلون ذلك.
(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا): يصف هذا حال المستضعفين، وأنهم كانوا يدعون ربهم أن يخرجهم من مكة، وهي القرية التي كان أهلها ظالمين لهم بسبب كفرهم وإيذائهم للمسلمين، فهي ٱية غاية في الأهمية، وتكشف عن معدن الرجولة الحقة التي تقف عندما يهرب الجميع، وتثبت حينما يتولى الكثير، حيث تحث على الجهاد، وتبيّن أهميته في تخليص المستضعفين الذين يعانون من الظلم؛ بسبب عقيدتهم، أو دينهم.
وهي تعرض موقف المستضعفين في مكة، الذين كانوا يرفعون أكف الضراعة إلى الله؛ لإنقاذهم من أهل مكة المشركين، وتوضح أن الله استجاب لدعائهم بفتح مكة، وتولى أمرهم، وهي تتكرر في كل العصور والأزمان، وترى مثل هذين الرجلين يخرجان، ويحلان مثل تلك الأزمات المهلكة.
والحادي عشر: القيام بالرسالة، والمهمة الكبرى، وأخذ الخلق إلى رحاب الحق، والتقوى، والرحمة، قال تعالى:(أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف ـ 63)، الرجولة هنا رجولة الإيمان، والعمل، والنهوض بالأمة، وتحقيق العبودية لله، وتعبيدهم لربهم، وتحصيلهم لفضيلة التقوى التي تأخذهم إلى الفلاح، والصلاح.
وتكررت تلك الٱية مع جميع الأنبياء الذين تعجب منهم قومهم بأن المرسل رجل، لا ملاك، الله لا يرسل رسلًا إلا يسرًا، لكنه يرسل رجالًا كرامًا يثبتون في الميدان، ويبقون وحدهم، ولو تخلى الجميع عن نصرتهم، فهم يحسنون مهمتهم، ويعىفون رسالتهم، وتراها تكررت في القرٱن الكريم مع رسل كثيرين، اقرأ مثلًا قوله تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأعراف ـ ٦٩).
وتتكرر كثيرًا في كتاب الله الكريم، وتنعت المرسل بالرجولة الإيمانية، والصفات المحكمة العقدية، قال تعالى:
(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ) (يونس ـ ٢).
هذا رجل اختاره الله؛ ليكون رسولا من رب العالمين، سلحه بالأخلاق، وكمال الاعتقاد، ووافر الإيمان، وجهزه بكل الصفات الكريمة من التحمل، والصبر، والمجاهدة، وسعة الصدر، ووفرة العلم، وكمال الحلم، وكثرة الفهم، وغزارة العلم، وسعة الحكمة، والنبل، فهو يبشر، وينذر، ويتحلم، ويصبر على الأذى، ويبشر هؤلاء، وهؤلاء، ويحببهم في ربهم، وطاعته، ويحذرهم من غضبه، ومعصيته؛ حتى يكونوا أهلًا لرحمته، ومحلا لمغفرته، ومودته، فصفاتهم جليلة، وأخلاقهم نبيلة، وسيرتهم عظيمة، وتعاملاتهم قويمة.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية