في ثقافات المهجر ثَمَّةَ ما هو مفيد، وهناك خسائر قد لا يَراها الكثيرون. من فوائد ثقافات المهجر (وأنا هنا أعني تحديدًا الَّذين يتسلحون بالثقافة: كتابةً ورُؤًى وإبداعًا)، أنَّهم ـ المبدعون المثقفون ـ يشعرون باستمرار أنَّهم إزاء مسؤوليَّة مركَّبة؛ فمن ناحية، يَجِبُ أن تتواصل جذوة الإبداع، ولا تُخمِدُها الغُربةُ بكُلِّ أشكالها ومَرَاراتِها. وهذا يتطلب اللجوءَ إلى عوالم تُحاول محاكاةَ ما هو دَفينٌ في دواخل هذا المبدع وذاك. ومجرَّد أنَّه يكتب قصَّةً أو قصيدةً أو رواية، وحتَّى تدوينَ الذِّكريات والمذكّرات، فإنَّه يشعر بقوَّة صلته بماضيه في بلده، وبَيْنَ ناسه، ووسط أحداث هادئة أو مُتدرِّجة العُنف. وسرعان ما يتدفَّق الإبداع بمستويات مختلفة، وأحيانًا حتَّى التفوق العملي في الغربة قد يكُونُ للتعويض عن خسائر يوميَّة محسوسة داخليًّا، لكنَّها قد لا تكُونُ ملموسة بصورة مباشرة للمرء.
وإلى حدٍّ ما، قد ينطبق ذلك على نوعين من الهجرة: أوَّلهما العزلة الداخليَّة الَّتي قد يفرضها المرء على نفْسه دُونَ أن يغادر بيئته، والثاني: الغربة داخل بلده، الَّتي تضطره للانتقال الجغرافي لسببٍ أو آخر. وفي كلتا الحالتين، يشعر المرء بأنَّه بحاجة ماسَّة لِبَلْوَرة أسلوب حياة مختلف، لِتتناغمَ دواخله مع المتغيِّرات، ولِيثبتَ ارتباطه بمكان وبيئة اجتماعيَّة نشأ في كَنَفِها، لكنَّ ألْفَ سَببٍ وسَببٍ تُرغِمُ الآخَرَ على تقبُّل الغُربة.
يقول الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري:
هذا أنا... ملقى
هناك حقيبتان وخُطًى تَجوسُ على رصيفٍ لا يَعودُ إلى مكان
مِن ألْفِ ميناءٍ أتيتُ ولألْفِ ميناءٍ أُصارِعْ
وبِناظِري ألْفُ انتظارْ
مقاطع من قصيدة صاغتها الغربة وأخرجها الحيدري.
كتَب الكثيرون عن الغربة في بلدان بعيدة، وكتَب آخرون عن غربة النفْس داخل أقفاص تُغَلِّفُها أقفاصٌ وأقفاص.
من خسائر المبدعين في الغربة، والَّذي يقف في المقدِّمة، أنَّ «ضياعاتٍ» تفرض نفْسها على مبدع هنا ومبدع هناك، وحيثُ الانتقالات والترحال تبرز ظروف حياة أخرى، قد تكُونُ سببًا في ركون الكثيرين للصَّمت والانزواء تحت هول مطارق لا يراها، لكنَّه وحده المبدع يسمع وَقْعَها ويحسُّ بضراوتها. إنَّه صراع حقيقي بَيْنَ لقمة العيش وكتابة نَص، أو السَّعي للتزود بالمعرفة والحصول على مؤهلات ثقافيَّة ومعرفيَّة.
كم ابتلعتِ الغربةُ من المبدعين! وكم أضاعتِ الحياةُ وتقلُّباتُها من الأفكار والطروحات الثقافيَّة والفكريَّة الَّتي من شأنها إنارةُ بُقعةٍ في عتمةٍ كبيرة!
قديمًا، ضاع من الشعر والحكايات والأفكار الفلسفيَّة ذلك الفراغ الواسع قَبل ظهور الحَرف والتدوين. ومثل ذلك، ضاع الكثير بسبب تباعد التجمُّعات البشريَّة وضعف التنقل بَيْنَ تلك المجمَّعات، كما خسرتِ البشريَّة الكثير من الإبداع قَبل ظهور الترجمة ونموِّها بَيْنَ الشعوب والأُمم. لكن ما يُؤسَفُ له حقًّا، أنَّ البشريَّة دخلت انتقالات هائلة في التدوين وفي التواصل المعرفي بعد حصول هذا الحجم الهائل من التقنيَّات الحديثة، لكنَّ ـ وبالمقابل ـ فقَدْ برزتْ أوْجُه مختلفة لقوَّة تزيد من غربة مبدعين كثيرين، في مُجتمعاتهم الضيِّقة والواسعة، وفي بُلدانهم كذلك.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي