مسقط ـ العُمانية: يبرز الوعي المجتمعي كركيزة أساسية في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، لا سيما في أوقات الأزمات والتوترات الإقليمية التي تشهد عادةً ارتفاعًا ملحوظًا في تداول الأخبار غير الدقيقة، وذلك في ظلّ التسارع الكبير في تدفق الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويجسّد المواطن العُماني والمقيم على هذه الأرض الطيبة شراكة مجتمعية واعية في مواجهة الشائعات، واستقاء المعلومات من المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات أو المعلومات غير الموثوقة.
وأكّد عددٌ من المختصين لوكالة الأنباء العُمانية على أنّ مواجهة الشائعات تتطلب وعيًا مجتمعيًا ومسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والأفراد والمؤسسات، مشيرين إلى أنّ التحقق من المعلومات قبل نشرها يسهم في الحدّ من آثار المعلومات المضللة، ويعزّز من استقرار المجتمع وثقته بالمصادر الرسمية.
وقال الدكتور أحمد بن علي الشعيبي: إنّ الكلمة في ميزان الحق ليست مجرد صوتٍ عابر أو تعبيرٍ لحظي، بل هي مسؤولية أخلاقية ومعرفية لها أثرها العميق في تشكيل الوعي وصيانة المجتمع، مشيرًا إلى أنّ أخطر ما يواجه المجتمعات في أوقات الأزمات ليس فقط صخب الأحداث، بل الضجيج المعرفي الذي قد يربك العقول ويشوّش على الحقيقة.
وأوضح أنّ الشائعة في جوهرها ليست مجرد خطأ في تداول الخبر، بل هي فعلٌ يفضي إلى إرباك الوعي العام وتمزيق الثقة بين أفراد المجتمع، مبينًا أنّ المجتمعات التي تسمح بانتشار الأخبار غير الموثوقة تتحول تدريجيًّا إلى بيئةٍ يسهل فيها تضليل الرأي العام وإضعاف التماسك الاجتماعي.
وأشار إلى أنّ الوعي المجتمعي يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، إذ يبدأ ذلك من إدراك الفرد لمسؤوليته الأخلاقية والقانونية عند تداول المعلومات، مؤكّدًا أنّ المنصات الرقمية أصبحت فضاءاتٍ للشهادة والتوثيق، وليست مجرد مساحاتٍ عابرة للتعبير أو الترفيه.
من جانبه قال الدكتور معمر بن علي التوبي، أكاديمي وباحث عُماني: إنّ ظاهرة تداخل المعلومات والأخبار وسرعة صناعتها وانتشارها تفرض تحدّيات كبيرة، أبرزها صعوبة التمييز بين الشائعة والخبر المهني الموثوق، خصوصًا في الفضاء الرقمي الواسع مثل منصات التواصل الاجتماعي.
وأضاف أنّ اعتماد منهجيات دقيقة يتيح للمؤسسات الإعلامية والأفراد المتخصصين التمييز بين الأخبار الحقيقية والمزيّفة، وهو أمرٌ حيويٌّ للحفاظ على مصداقية المعلومات.
وأوضح أنّ الخبر المهني الموثوق يقوم على منهجية تحريرية واضحة، ويستند إلى مصدر معلوم وموثوق، ويُقدَّم بلغة متوازنة، بينما تتميز الشائعة بالغموض في المصدر وصعوبة تعقبه، وغالبًا ما تبدأ بعبارات عامة مثل: «مصادر مطلعة»، أو «مسؤول كبير»، أو «تداولت بعض الحسابات»، إضافة إلى الطابع العاطفي الذي يهدف لإثارة القلق أو الغضب أو الفضول لدى المتلقي، مع غياب السياق والدقة.
وأشار إلى أنّ التحقق من الأخبار قبل إعادة نشرها يشمل مجموعة خطوات عملية، أهمها التأكد من مصدر الخبر، ومقارنته مع أكثر من مصدر إعلامي موثوق، والتحقق من الصور والمقاطع المرئية عبر أدوات مثل البحث العكسي، لضمان عدم إعادة تداول محتوى قديم أو مفبرك. وأضاف أن الشفافية في عرض المصادر والمنهجية المستخدمة في جمع المعلومات تسهم في تعزيز ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية.
وقال المحامي الدكتور أحمد بن عبدالله الشنفري لوكالة الأنباء العُمانية: إنّ نشر الشائعات وتداول المعلومات غير المؤكدة عبر منصات التواصل الاجتماعي بات يشكّل تحديًا متزايدًا في ظل التطوّر السريع لهذه الوسائل، مشيرًا إلى أنّ القانون العُماني وضع إطارًا واضحًا وحازمًا للتعامل مع هذه الظاهرة لما تمثّله من مساس بالنظام العام والاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح أنّ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (12/ 2011) يجرّم استخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات في إنتاج أو نشر أو توزيع ما من شأنه المساس بالنظام العام، ولا سيما ما نصّت عليه المادة (19) من القانون.
وأضاف أنّ العقوبة المقررة لهذه الجريمة تتمثّل في السجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألف ريال عُماني ولا تزيد على ثلاثة آلاف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
من جانبها قالت الدكتورة موزة بنت عبدالله الرواحي، أستاذ مساعد في الصحافة والنشر الإلكتروني بقسم الإعلام بجامعة السُّلطان قابوس: إنّ التربية الإعلامية والمعلوماتية تمثّل ركيزة أساسية في بناء وعي مجتمعي قادر على مقاومة الشائعات، من خلال تمكين الأفراد من فهم طبيعة الرسائل الإعلامية وتحليلها والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
وأوضحت أنّ التطوّر المتسارع للفضاء الرقمي وتعدد مصادر المعلومات جعلا المتلقّي اليوم يتجاوز دور المستهلك السلبي للأخبار، ليصبح مطالبًا بامتلاك مهارات التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة قبل تداولها.
وأضافت أنّ تقارير دولية تشير إلى أنّ أكثر من 70 بالمائة من مستخدمي الإنترنت حول العالم يتعرضون لمحتوى مضلل مرة واحدة على الأقل أسبوعيًّا، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات الإعلامية وصنّاع القرار في الحدّ من انتشار الأخبار الزائفة وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية، وفقًا لما أورده تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2023.
وبيّنت أنّ حروب المعلومات في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على التنافس بين الدول فحسب، بل أصبحت تُدار عبر شبكات رقمية معقدة تضم كيانات إعلامية واقتصادية وأفرادًا يستخدمون البيانات والخوارزميات للتأثير في الرأي العام وتحقيق أهداف سياسية أو تجارية أو أيديولوجية.