السبت 07 مارس 2026 م - 17 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الصحافة الورقية.. التمويل.. التحديات.. حرية التعبير ومحاور أخرى

الصحافة الورقية.. التمويل.. التحديات.. حرية التعبير ومحاور أخرى
السبت - 07 مارس 2026 07:04 ص

سعود بن علي الحارثي

10

قَبل سنوات ليست بالبعيدة، كانت زيارة منفذ أو زاوية بيع الصحف والمجلاَّت في محطَّة تعبئة الوقود الَّتي تبعد حوالي (500) متر عن بيتنا في الخوير، برنامجًا يوميًّا لا أفوِّته، «الحياة»، «الشرق الأوسط»، «القدس»، «الخليج»، مجلَّة «المجلَّة»، «العربي» «الناقد» و«الثقافة العالميَّة»، وسلسلة من العناوين الطَّويلة اللامعة تصلنا من مختلف العواصم والمُدُن العربيَّة، نغترف منها وجبات ومذاقات ثقافيَّة ـ سياسيَّة ـ اقتصاديَّة متنوِّعة، مقالات، ولقاءات وتحقيقات صحفيَّة ونقاشات لمفكِّرين وإعلاميين وكُتَّاب وأُدباء ومثقفين وأكاديميين «عمالقة»، لهم مكانتهم الكبيرة ومؤلَّفاتهم وكِتاباتهم وأعمالهم النَّفيسة الَّتي لا تخلو منها مكتبة عامَّة أو خاصَّة... وعندما أستقرُّ في كرسي الطائرة متوجِّهًا إلى بلدٍ ما من بُلدان العالم، فإنَّ أوَّل ما أسأل عنه عناوين الصحف الَّتي تتوافر لدَيْهم، فآخذ وجبتي المعرفيَّة منها مستمتعًا خلال ساعات الرحلة، وعندما كنتُ أمينًا لمكتبة «المجلس الاستشاري للدَّولة»، ظللتُ أستلمُ يوميًّا عددًا من الصحف والمجلَّات العُمانيَّة والعربيَّة الَّتي كانت المؤسَّسة تشترك فيها... وفي الفنادق والمكتبات ومقار الأنشطة والاجتماعات والمؤتمرات تطلُّ علينا عناوين مختلفة من الصحف الَّتي ارتبطتُ بها وارتبطتْ بي... هذا الغِنَى الثقافي والمعرفي وروافدهما الَّتي نتابعها ونقتنيها ونحصل عليها، كانت مصدرًا مهمًّا من مصادر البهجة والسَّعادة، ننتظر بفارغ الصبر الأعداد الجديدة والمقالات العميقة بموضوعاتها، والعناوين والمحاور الَّتي كانت ثابتة في عدد من الجرائد والمنشورات الإعلاميَّة... ذلك الزَّخم الإعلامي والمنابع المعرفيَّة ـ التثقيفيَّة تحوَّلتِ اليوم إلى صفحة من صفحات التاريخ وجزء من الماضي، وأعلنَ الكثير من الصحف والمجلَّات الرَّصينة الغنيَّة بالكِتابات العميقة والفكر الواسع والنَّقد البنَّاء وتحليلاتها المتخصِّصة، إغلاقها وتوقُّفها عن الصُّدور، وتحوَّل بعضها من النَّشر الورقي إلى الإلكتروني، بعد أن هيمنتْ وسائل وبرامج وحسابات وسائل التواصُل على المشهدَيْنِ الإعلامي ـ الثقافي، وأصبح كُلُّ صاحب حساب وقناة فيها، يصول ويجول، يُحلِّل ويُشخِّص ويُفتي، ويُدلي بآرائه وأفكاره، ينتقد ويكتُب ويُنظِّر، ويُقدِّم توقُّعاته المستقبليَّة، فاختلط الحابل بالنَّابل، والسَّيء بالجيِّد، والنصوص البديعة بالهشَّة الضعيفة، وفاض الفضاء بأنهارٍ من المياه مُعْظمها آسِنٌ مالح غير صالح للهضم والقراءة والاستمتاع، ففقَدْنا المجلَّات الرَّصينة، والكِتابات الأنيقة بما تحتويه من غِنى وقِيمة عالية.. وما تبقَّى منها تجتاحه تحدِّيات وتهديدات يصعب معالجتها وتجاوزها، من أبرزها، ضعف القراءة، وافتقاد القارئ العاشق البارع الَّذي يمتلك النَّفَس الطويل وأدوات النَّقد الجيِّدة، في مقابل جيلٍ ارتبط بالتقنيَّة والإعلام الإلكتروني وبهرجتهما وظهورهما، والبحث عن معلومة سريعة لا تكلِّفه وقتًا وجهدًا، واقتناء وشراء ودعم الصحف أصبح من الماضي، فيما قاد تراجع التمويل إلى شبح إفلاس لا مناص منه... فالصحف بأنواعها وتخصُّصاتها في عالمنا العربي، يعتمد تمويلها على أربعة مصادر، وهي: 1- التمويل الحكومي. 2- اشتراكات مؤسَّسات القِطاعَيْنِ السَّنوي، الَّتي توزَّع على كبار المسؤولين والموظفين والمكتبات الحكوميَّة. 3- ما يتمُّ بيعه من الأعداد الصادرة في منافذ البيع المتخصِّصة. وأخيرًا ما يتحصل من الدعاية والإعلان للشركات ومؤسَّسات القِطاع الخاص. وضعف أو توقُّف كُلِّ هذه المصادر يفرض ضغوطات وتحدِّيات على استمرار هذه الصحف. ومع ذلك، يبقى للرأي حدوده المعقولة، حيثُ تحرص هذه الصحف على تقديم مادَّة خبريَّة وتحليليَّة تُلبِّي ذائقة وطموح القارئ والمتابعين. فالطرفان واعيان متفهمان على أنَّ القارئ يحتاج إلى صحافة تبرز مُشْكلاته وتُعَبِّر عن تطلُّعاته وتُسهم في إظهار ومكافحة الفساد والأخطاء المرتكبة، وتقديم مادَّة ومحتوى عالي الجودة يُحقق الوعي وتحمُّل المسؤوليَّة وحقيقة الشراكة والحوكمة وتطبيق القوانين وتعزيز وتنمية الأعمال الثقافيَّة، وليست صحافة ترويج فقط، وإلَّا فلن يُقبلَ عليها القارئ، وسوف تتحول إلى صحافة فاشلة... إنَّ الطَّفرات الهائلة والتقدُّم المتسارع للإعلام الإلكتروني ووسائل التواصُل الاجتماعي، شكَّلت تحدِّيًا كبيرًا أمام رواج الصحف أو الإعلام الورقي فأضعفت نشاطها وأحجم القارئ عن الإقبال عليها وتراجعت مبيعاتها كثيرًا مقارنة بالسابق، فوسائل التواصُل والإعلام الإلكتروني يعملان في فضاء مفتوح والجميع يشارك فيها، وحُريَّتها واسعة جدًّا مقارنةً بالإعلام الورقي الصحفي. فيما لا تزال القوانين الخاصَّة بحُريَّة الصحافة وما يُكتَب ويُنشَر فيها ملتبسةً وغير واضحة وتحتمل اجتهادات التأويلات والتفسيرات المختلفة، فقَدْ مضى على إصدارها عدَّة عقود والكثير من نصوص موادها عامَّة ولا تصلح لعصرٍ هيمنت عليه التقنيَّة وإعلامها الإلكتروني. والمصطلحات أو البرامج الَّتي تتحدث عن حُريَّة الصحافة، وشراكة الإعلام الصحفي، ودولة المؤسَّسات والقانون... لا تزال تَدُور في فلَك التنظير ومحور الدراسات والبرامج الإعلاميَّة والرُّؤى ولم تنتقل إلى التطبيق الفعلي والممارسة العمليَّة. فكيف يُمكِن إضفاء البريق وإعادة الفاعليَّة والشراكة الحقيقيَّة والاعتبار للصحافة الورقيَّة من جديد، وإعلاء قوَّة التأثير إلى ما تُقدِّمه من غِنى ثقافي وتعميق للوعي والمعرفة، وتوثيق علاقتها بالقارئ وإعادته إلى صفحاتها قارئًا مستمتعًا باحثًا عن أعدادها تتجدَّد ارتباطاته بكُتَّابها ومُحرِّريها؟ يُمكِن تحقيق ذلك، بالعمل على دراسة ومراجعة وتطوير القوانين الَّتي تَضْمن حماية الصحف واستقلاليَّتها والتشجيع على تقديمها لمادَّة ومحتوى شيِّق وفاعل وجريء وناقد، والمساهمة في الرقابة والمساءلة ودعم طموحات وتطلُّعات المواطن والدفاع عن قضاياه ومشاكله. وكذلك، تشجيع المؤسَّسات الحكوميَّة والخاصَّة ومسؤوليها ودوائر الإعلام فيها على التعاون مع الصحافة، والتجاوب الإيجابي مع موظفيها وكُتَّابها المختصين، وتزويدها بالمعلومات الَّتي تطلبها لتحقيقاتها الصحفيَّة والإجابة عن الأسئلة الَّتي تطرحها لِتتمكنَ من تقديم مادَّة ومحتوى يُرضي المواطن، وينهض بهذه الصحف ويضعها أمام مسؤوليَّتها ورسالتها الحقيقيَّة. وبتواصل الدَّعم الحكومي، وأيضًا بأن تبادر الصحف من تلقاء نفْسها بالبحث عن الكاتب الجيِّد، والإعلامي المتخصِّص البارع، وتدريب الصحفيين وتأهيلهم بالتعاون والتنسيق مع وزارة الإعلام، والاستفادة من تجارب وخبرات الدول المتقدمة في هذا المجال، والإنفاق بسخاء على الكُتَّاب والفنِّيين الَّذين يعملون فيها. وأخيرًا، البحث عن مصادر تمويل مبتكرة وغير تقليديَّة، الاستثمار، وتحفيز مُحبِّي وعشَّاق الصحف والمؤمنين بِدَوْرها ورسالتها في المساهمة بالاشتراك السَّنوي والدَّعم، وغيرها من المصادر الَّتي تتناسب مع التقدُّم الَّذي نشهده. إنَّ الدَّوْر التثقيفي ـ التوعوي ـ الوطني، الَّذي تحمَّلت مسؤوليَّته الصحافة في الماضي، والدَّوْر البارز والأثَر الإيجابي الَّذي يُمكِن أن تمارسَه اليوم، يستدعي من الحكومات أن تنهضَ بِدَوْرها المسؤول للقيام بهذه المهمَّة النَّبيلة، فالتسطيح المعرفي، والترهُّل الثقافي وأزمات الوعي العام وتشوُّش المفاهيم والكتابات الهشَّة الضعيفة الَّتي تُنشَر وتُعزِّز الإشاعات والتَّنَمُّر والفِتن، وتنال من الأعمال والمشاريع والجهود المخلصة، ومحاولة إحداث خلخلة بَيْنَ الأنظمة السياسيَّة والحكومات والشعوب وتقويض الثقة بَيْنَهما... الَّتي تتسبب فيها وسائل التواصُل وحساباتها وبرامجها وقنواتها العابرة للقارَّات الَّتي يُدمن عليها الناس ويعدُّونها المصدر الأساس للأخبار والتثقيف والمعرفة، لا يُمكِن معالجة آثارها والتخفيف من عواقبها الوخيمة وأضرارها الجسيمة إلَّا بتطوير الصحافة وإعادة الاعتبار لها، بالمقالات الرَّصينة والكِتابات الواقعيَّة الَّتي تُحدِث في النفْس وقعًا جميلًا وأثرًا طيِّبًا نافعًا.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]