السبت 07 مارس 2026 م - 17 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنواع المياه فـي القرآن الكريم.. «الماء الطهور»

السبت - 07 مارس 2026 12:35 م


أيها الصائمون.. نلتقي اليوم مع نوع جديد من أنواع الماء في القرآن، ألا وهو (الماء الطهور)، وقد جاء لفظ الطهور وقصد به الماء الذي نشربه في موضعين، الأول من سورة الأنفال (الآية 11)، قال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيكُم مِّنَ ?لسَّمَاءِ مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذهِبَ عَنكُم رِجزَ ?لشَّيطَانِ وَلِيَربِطَ عَلَى قُلُوبِكُم وَيُثَبِّتَ بِهِ ?لأَقدَامَ)، والثاني من سورة الفرقان (الآية 48)، قال تعالى:(وَهُوَ ?لَّذِي أَرسَلَ ?لرِّيَحَ بُشرَا بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ وَأَنزَلنَا مِنَ ?لسَّمَاءِ مَاء طَهُورا).

(الطَّهُور فِي اللُّغَة هُوَ الطَّاهر المطهِّر، لأنّه لَا يكون طَهورًا إلاّ وَهُوَ يُتطهَّر بِهِ، كَالْوضُوءِ: الماءُ الَّذِي يُتَوضّأ بِهِ، والنَّشُوقِ: مَا يُسْتنشَق بِهِ، والفَطُورِ مَا يُفطَرُ عَلَيْهِ من شرابٍ أَو طعامٍ)، وسُئل النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَن ماءِ الْبَحْر فَقَالَ:(هُوَ الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُه): أَرَادَ أنَّه طَاهِر يُتطهر بِهِ، وَقَالَ الشافعيّ:(كلُّ ماءٍ خَلقه الله نازِلًا من السَّمَاء أَو نابِعًا من عَين فِي الأَرْض أَو بحرٍ لَا صَنعةَ فِيهِ لآدمِيّ غير الاسْتِقاء، وَلم يُغيِّرْ لَوَنه شيءٌ يُخالطُه، وَلم يَتغير طعمُه مِنْهُ فَهُوَ طهُور، كَمَا قَالَ الله ـ جلّ وعزّ ـ قَالَ: وَمَا عدا ذَلِك من ماءٍ وَرْدٍ أَو وَرَقِ شَجَرٍ أَو ماءِ يَسِيلُ من كَرْمٍ، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ طَاهِرًا فَلَيْسَ بِطهُور) (تهذيب اللغة 6/‏‏ 100)، (قوله: (وَأَنزَلْنَا السَّمِآءِ ‌مَآءً ‌طَهُوراً) فيه تأويلان: أحدهما: طاهرًا، قاله أبو حنيفة ولذلك جوّز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرات، والثاني: مطهّرًا، قاله الشافعي: ولذلك لم يجّوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء) (تفسير الماوردي، النكت والعيون 4/‏‏ 148)، ويقول صاحب (ديوان السنة، قسم الطهارة 1/‏‏ 444): (قال تعالى:(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ‌طَهُورًا)، وقال تعالى:(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)، من رِوَايةِ ابنِ أَبِي طَلْحَةَ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ:(نَزَلَ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَعْنِي: حِينَ سَارَ إلَى بَدْرٍ ـ وَالمُسلمُونَ بَيْنَهُم وَبَينَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ، فَأَصَابَ المُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ في قُلُوبِهِمُ الْغَيْظَ، فَوَسْوَسَ بَيْنَهُم: تَزْعُمُونَ أَنَّكُم أَوْلِيَاءُ اللهِ وَفِيْكُم رَسُولُهُ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُم تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ!، فَأَمْطَرَ اللهُ عَلَيْهِم مَطَرًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ المُسلمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَأَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وَثَبَتَ الرَّمْلُ حِينَ أَصَابَهُ المَطَرُ، وَمَشَى النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُ، فَسَارُوا إِلَى الْقَومِ، وَأَمَدَّ اللهُ نَبِيَّهُ بِأَلْفٍ مِنَ المَلَائكَةِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ ـ عليه السلام ـ فِي خَمْسِمائَةٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُجَنِّبَةً، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمائَةٍ مُجَنِّبَةً)، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ «الطَّهُورَ» هُوَ الطَّاهِرُ، حَتَّى جَوَّزُوا إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ، مِثْلَ: الْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَرَقِ.. وَنَحْوِهَا، وَلَوْ جَازَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهَا لَجَازَ إِزَالَةُ الْحَدَثِ بِهَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ «الطَّهُورَ» مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ التَّطْهِيرُ، كَالصَّبُورِ اسْمٌ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصَّبْرُ، وَالشَّكُورُ اسْمٌ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الشُّكْرُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، حَتَّى جَوَّزَ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ مَرَّةً، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ هَلْ تَزُولُ طَهُورِيَّتَهُ؟ فالجواب: إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ، كَالطِّينِ وَالتُّرَابِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ، لَا تَزُولُ، فَيَجُوزُ الطِّهَارَةُ بِهِ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ لِطُولِ الْمُكْثِ فِي قَرَارِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا يُخَالِطُهُ، كَالدُّهْنِ يَصُبُّ فِيهِ فَيَتَرَوَّحُ الْمَاءُ بِرَائِحَتِهِ يَجُوزُ الطِّهَارَةُ بِهِ، لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ لِلْمُجَاوِرَةِ لَا لِلْمُخَالَطَةِ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ مِنْهُ وَيُخَالِطُهُ كَالْخَلِّ وَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِمَا تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، يَنْظُرُ: إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِيهِ شَيْئًا طَاهِرًا لَا تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ، فَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِيهِ شَيْئًا نَجِسًا، يَنْظُرُ: فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَقَلَّ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَهُوَ طَاهِرٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ) (تفسير البغوي، طيبة 6/‏‏ 87).. فاللهم طهرنا بالماء الطهور ظاهرًا وباطنًا.

د. محمود عدلي الشريف 

 [email protected]