.. والتاسع: وصفهم بالمستضعفين، وإنزال الحكم الشرعي الخاص بهم في ذلك الوضع الاستثنائي: قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ
نصِيرًا) (النساء ـ 75)، وقوله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا)
(النساء ـ 98)، في هذه ال?ية من سورة النساء تستنكر تهاون المسلمين في شأن الجهاد في سبيل الله، وتوضح أن القتال لا يكون فقط لنصرة الإسلام، بل أيضا لحماية المستضعفين من الرجال، والنساء، والأطفال الذين يعانون الاضطهاد من قبل الظالمين، كما في حالة المسلمين المحصورين في مكة، وتبيّن لهم أن المستضعفين كانوا يرفعون أكف الضراعة إلى الله؛ لإنقاذهم من بطش أهل مكة المشركين، داعين الله أن يخرجهم من ديارهم وأن يولي عليهم وليًّا ناصرًا.
فبدأت بالتعجيب، والاستفهام التوبيخي الشديد الذي يحمل اللوم للمسلمين المتقاعسين، التاركين للجهاد في سبيل الله، وفك أسر المستضعفين من الرجال، والنساء، والأطفال، أو الولدان الذين لا حيلة لهم، ولا يعرفون الجهاد، ولا كيفية القتال في سبيل الله، وهم ضعفاء، مغلوبون على أمرهم، لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا، فهؤلاء سيعفو الله عنهم، ولا يحاسبهم لضعفهم، وقلة حيلتهم، وبعدهم عن دائرة الكر والفر، والقتال والضرب والطعن، كما قال تعالى:(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فهذا تعجيب شديد، واستفهام توبيخي، يحمل لومًا للمسلمين على تركهم الجهاد في سبيل الله.
وكذا قوله تعالى:(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)، حيث يشير هذا إلى أن القتال واجب أيضًا من أجل المستضعفين الذين لا يستطييون الدفاع عن أنفسهم، سواء أكانوا رجالا أم نساءً أم أطفالا، فلابد من الدفاع عنهم، وتخليصهم من أيدي الكافرين، وفك أسرهم.
والعاشر: رجال لهم صفات طيبة عند الاختلاف، وخصوصا في ميدان القتال، والثبات، والتثبيت، ورأي لا ينهض له إلا أكارم الرجال، قال الله تعالى: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (المائدة ـ 23)، توضح الآية هنا أن رجلين من بني إسرائيل، وهما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا،وهما من نقباء بني إسرائيل، اللذين أنعم الله عليهما بالإيمان، واليقين، والشجاعة، وليس خوفًا من الناس.
هذان الرجلان حاولا تحريض بني إسرائيل على قتال قوم عمالقة في الأرض المقدسة، بعد أن نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله، قالا لهم:(ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) أي: أن النصر مضمون إذا قاموا بالدخول، والقتال، لكن بني إسرائيل خافوا، ووصفهم بالخوف من الله، وهو ما يمنح الشجاعة، وأنهم أنعم الله عليهم باليقين، والصلاح، وشددا على ضرورة التوكل على الله وحده في النصر؛ لأنه إذا كان الإيمان صادقًا فإن الله لن يخيبهم.
ومعنى:(ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) أن هذا كان هو الأمر بالهجوم على مدينة الجبارين، والباب هو مدخل الأرض المقدسة، أو باب المدينة نفسها، مثل أريحا، حيث إذا دخلوا منها كانوا غالبين بفضل الله.
وكانت دعوتهم صريحة، حيث دعوهم إلى الاعتماد التام على الله، بعد الأخذ بالأسباب (الدخول والقتال)؛ لأن النصر من الله وحده، وإذا كانوا مؤمنين حقًا، فإنهم سيفعلون ذلك، وسينصرهم الله تعالى، (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما): هما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، من نقباء بني إسرائيل، اللذين أنعم الله عليهما بالإيمان واليقين والشجاعة، وليس خوفًا من الناس.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية