يُشكِّل الوعي الجمعي أحد أهم مرتكزات تقدُّم أيِّ مُجتمع وتطوُّر أيِّ أُمَّة؛ فهو مرحلة الرُّقي الفكري والممارسة الرشيدة، الناجمة عن تصالح الإنسان مع ذاته، وإدراكه لمسؤوليَّاته الكونيَّة، وتفاعله الواعي مع واقعه في ضوء منظومة الحقوق والواجبات، والَّتي تضع المواطن أمام مسؤوليَّة القيام بِدَوْر أكثر مهنيَّة في مساره الأُسري والاجتماعي والوطني، بما يَضْمن مساحات أوسع من التأثير في سلوكه، ونقل مسؤوليَّاته وواجباته وحقوقه إلى إطار عمل وطني وإنساني قائم على العدالة والالتزام، والتوافق النفْسي والفكري مع المعطيات والمتغيِّرات الَّتي تُشكِّل واقعه.
وفي ظلِّ ما تعيشه المنطقة من أحداث تصعيديَّة متسارعة، بات الوعي والمسؤوليَّة صمامَي الأمان في حماية الوطن والمواطن والممتلكات؛ فإنَّ وعي المواطن والتزامه بالتعليمات الصادرة من الجهات المختصَّة، وتكاتف الجهود نَحْوَ الحدِّ من تأثير هذه المنغِّصات والأزمات، يُمثِّلان خط الدفاع الأول في مواجهة التداعيات المحتملة، ويجسِّدان صورة الانتماء الصادق والولاء الواعي الَّذي يُقدِّم المصلحة الوطنيَّة على ما سواها، إذ كُلَّما ازداد وعي المواطن بقضاياه الشخصيَّة والعامَّة، وبمنظومة التشريعات والقوانين والإجراءات والآليَّات، وكيفيَّة حصوله على حقوقه المشروعة ووصوله إليها، وأدائه لواجباته، وقدرته على إيصال صوته المعتدل إلى مؤسَّسات الدَّولة التشريعيَّة والرقابيَّة والخدميَّة، فأدرك ما له وما عليه، وعزَّز مناخ القوَّة والتآلف والتعاون في سبيل تحقيق مكاسب نوعيَّة لوطنه؛ انعكس ذلك قوَّة في بنية المُجتمع، ووفَّر له مساحات أوسع من الأمان والاستقرار.
وعليه، تبرز في هذا السياق أهميَّة التعليمات الصادرة من جهات الاختصاص، في ظلِّ ما أكَّدته مشكورةً شُرطة عُمان السُّلطانيَّة والادعاء العام والتَّوجيه المعنوي والمراسم العسكريَّة بوزارة الدفاع ووزارة الإعلام ومركز التواصل الحكومي، من حيثُ ما يتعلق بمسألة النشر والتفاعل المثير لسخط القانون، وعدم تصوير أو نشر أو تداول أيِّ مقاطع مرئيَّة أو صوَر أو معلومات تتعلق بالحوادث أو المواقع والمنشآت، أو أيِّ محتوى من شأنه الإخلال بالأمن العام أو إثارة الهلع بَيْنَ أفراد المُجتمع، أو نشر أو إعادة نشر الإشاعات والمعلومات غير الموثوقة؛ كونها تعرِّض مرتكبيها للمساءلة القانونيَّة. كما تؤكد هذه الجهات أهميَّة الإبلاغ الفوري عن أيِّ مشاهدات لطائرات مُسيَّرة أو أجسام مشابهة يتمُّ رصدها في الأجواء أو القريبة من المنشآت الحيويَّة، وتعزيز التعاون المُجتمعي في مثل هذه الحالات دعمًا للأمن والسَّلامة العامَّة، وتجنُّب التحليلات والتكهنات الشخصيَّة عَبْرَ منصَّات التواصل الاجتماعي، والالتزام بالحقائق المجرَّدة وفْقَ ما يصدر عن جهات الاختصاص ومواقعها الموثَّقة، واستقاء الأخبار من المصادر الرسميَّة والموثوقة فقط؛ فأمن الوطن يبدأ بوعي أفراده.
إنَّ قدرة المُجتمع على فَهْم مسؤوليَّاته وتحقيق أدواره الاجتماعيَّة والإنسانيَّة والوطنيَّة في ظلِّ وعي متجذِّر، تصبح أكثر رسوخًا ونفاذًا. فهو يُعزِّز روح المنافسة والالتزام، ويُقدِّم التضحية والفداء، ويُحفِّز المبادرة والعمل التطوُّعي، ويصنع فرصًا متجدِّدة تضع المواطن في حالة جاهزيَّة وتفاعل مستمر مع أيِّ حدَث اجتماعي أو وطني يتطلب حضوره ومشاركته؛ لذلك حين تجد الدَّولة بمنظوماتها في وعي المواطن نضجًا واستجابة واستشعارًا للمسؤوليَّة، فإنَّها تمضي بثقة أكبر نَحْوَ توسيع الشراكات المُجتمعيَّة، وتوجيه الموارد إلى مشروعات استراتيجيَّة تُعزِّز من إدماج الشَّباب في برامج التنويع الاقتصادي، وتُوسِّع فرص التشغيل، وتُمكِّنهم من الإسهام المباشر في برامج التطوير المتحققة.
ومن هنا يرتبط الوعي بمنظور التقدم والتطوير؛ فكُلَّما زاد مستوى الوعي زادت فرص نجاح التنمية وتقلَّصت تحدِّيات الأمن الاجتماعي؛ لِمَا يولِّده من بدائل للمعالجة وأنماط مختلفة من الحلول الذكيَّة المتكاملة. وعندما تتَّخذ الأوطان من وعي أبنائها فرصة في تهيئة ذاتها للمستقبل فإنَّها ستصل إليه بكُلِّ واقعيَّة، وتُحقِّق من الإنجازات ما يفوق التوقُّعات، ويصبح المُجتمع ضِمن هذا الإطار مستعدًّا لقَبول التجديد والاستفادة من الجديد مع المحافظة على الهُوِيَّة؛ ذلك أنَّ المُجتمعات الراقية في فكرها وممارساتها وعظمة إنتاجها وقدرتها على مواجهة تحدِّيات الطبيعة والتحدِّيات الاجتماعيَّة والتأثير على الهُوِيَّات والحُريَّات وتحدِّيات الفكر السَّلبي ومصادرة الفكر وغيرها، هي مُجتمعات تعمَّقت فيها موجّهات الوعي، ونمَتْ في ممارساتها منهجيَّاته، وتأصَّلت في ذاتها ثقافته، فأصبحت تجد فيه فرصتها للوحدة والوئام والتعايش وابتكار المناسب من الأدوات.
وعليه، فإنَّ وعي المواطن اليوم سلاح القوَّة في مواجهة التحدِّيات الفكريَّة والنفْسيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة والصحيَّة، والتكيُّف مع المتغيِّرات والمستجدَّات في عالم متغيِّر. وهو قِيمة مضافة في استدامة التنمية والمحافظة على الموارد واستثمار الفرص الَّتي هيَّأتها الدَّولة من أجْلِ إنسان هذا الوطن ليستثمرَها بكُلِّ مهنيَّة ويُجدِّد في أدواتها كُلَّما تغيَّرت الظروف؛ لِمَا يُضفيه هذا الوعي الجمعي من أبعاد الجودة والاحترافيَّة في المنافسة، ولِمَا يُتيحه من فرص احتواء المواطن في مسار بناء قدراته وتعزيز مهاراته. فالتحوُّل الَّذي يصنعه الوعي في سلوك الفرد وأخلاقه وقِيَمه ينعكس إيجابًا على مجريات حياته، وتوظيف قدراته واستعداداته في صناعة الفارق.
إنَّ الوعي هو مرحلة متزنة بَيْنَ المسؤوليَّة واحترامها؛ فالمسؤوليَّة في القيام بأدواره كمواطن أو مُقِيم تعني أداء الواجبات والوفاء بالالتزامات في إطار الواجب الدِّيني والأخلاقي والإنساني والوطني الَّذي ينظِّمه القانون، وتكفله سياسة الدَّولة. أمَّا احترام المسؤوليَّة فيفرض تَبنِّي أدوات رصينة وثقافة سليمة ورؤية صحيحة في التعامل مع الظروف الصعبة والأزمات الحاصلة، وتقدير الإجراءات الَّتي تتَّخذها سلطنة عُمان في التعامل مع هذه الظروف، وتفهم متطلبات كُلِّ مرحلة وطنيَّة، وتقبل الواقع الناتج عنها بروح إيجابيَّة واعية. الأمر الَّذي يُسهم في تكوين حالة من التريُّث والتأنِّي والهدوء في معالجة الأزمات، وتجنُّب الاندفاع وإصدار الأحكام المسبقة، وكفّ اليد واللِّسان عَبْرَ المنصَّات الاجتماعيَّة والحسابات الإخباريَّة والشخصيَّة بالتطاول على المصالح الوطنيَّة العُليا، أو العبث بمقدَّرات المُجتمع، أو التأثير على النَّاس بنَشْرِ أفكار أحاديَّة ومعلّبات فكريَّة مشوّهة، وفرض سُلطة الأمر الواقع.
ولهذا عندما يواجه الوطن ظروفًا استثنائيَّة، سواء كانت تصعيدًا عسكريًّا كما هو الحاصل اليوم في تداعيات الحرب على الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، والتحدِّيات المتوقَّعة عنها بشأن إمدادات الطَّاقة العالمي، والتحدِّيات الاقتصاديَّة أو البيئيَّة وتحدِّيات في الأمن الغذائي وسلاسل التوريد والإمداد أو ارتفاع الأسعار والتضخُّم وغيرها، يأتي الوعي الجمعي صمام الأمان الَّذي يحفظ معادلة القوَّة حاضرة في سلوك المواطن وقناعاته حَوْلَ وطنه؛ فإنَّ المواطن الواعي يقف موقف المسانِد، ويتحول من متلقٍّ سلبي إلى شريك فاعل في إدارة الحدث، فيلتزم بالقوانين، ويحتكم إلى العقل، ويُقدِّم المصلحة العامَّة على المصالح الشخصيَّة، ويتنازل عن بعض حقوقه الشخصيَّة من أجْلِ مصلحة الوطن وقدرته على الخروج من أزمته. بل إنَّ الوعي يتحول إلى اختبار حقيقي لحُبِّ الوطن والانتماء له والولاء لسُلطانه؛ فالأزمات تُمثِّل اختبارًا حقيقيًّا للهُوِيَّة الوطنيَّة وتجسيدًا أصيلًا لمعاني السَّمْت العُماني الأصيل في ظلِّ ما يرسِّخه الوعي الجمعي من التعبئة للقِيَم الوطنيَّة، وتعظيم الاستجابة والالتزام لتوجيهات القيادة الحكيمة بروح من الثقة والمسؤوليَّة، إدراكًا بأنَّ استقرار الوطن وأمنه مسؤوليَّة مشتركة.
لقد أدركتِ الدَّولة أهميَّة هذا المسار عَبْرَ مختلف منظوماتها وأجهزتها ومؤسَّساتها التعليميَّة والأمنيَّة والإعلاميَّة والتشريعيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة والفكريَّة، واضعة المبادئ العامَّة في النظام الأساسي للدَّولة والقوانين والتشريعات النافذة مرتكزات لصناعة الوعي وبناء المنهج، وبناء الإنسان العُماني القادر على الإسهام بِدَوْر فاعل في عالمه، وانعكس هذا الوعي على نهج الحكمة العُمانيَّة في دعم السَّلام، وتعزيز الحوار وسياسة الحياد الإيجابي، والتزام نهج الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر بَيْنَ الأطراف المتنازعة، وتغليب الدبلوماسيَّة المسؤولة كخيار استراتيجي دائم، عَبْرَ سياسات متوازنة ومسؤولة تتقاطع مع قواعد القانون الدّولي بما يُسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق السَّلام العادل.
ومنذ بدء الأزمة انتهجت سلطنة عُمان حراكًا دبلوماسيًّا واسع النطاق لاحتواء التصعيد العسكري، يَقُوده مولانا حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحكومته الرشيدة مع قيادات المنطقة والعالم، في استنكار للتصعيد العسكري، والتأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وضبط النفْس والوقف الفوري للأعمال التصعيديَّة، والعودة إلى مسارات الحوار والدبلوماسيَّة بما يصون أمن واستقرار المنطقة وسلامة شعوبها.
أخيرًا، فإنَّ الوعي الجمعي ـ حين يتجذر في الضمير المُجتمعي ـ يتحوَّل إلى صمام أمان يحمي المُجتمع، ويمنحه القدرة على التَّماسُك، ويصنع من اختلاف أفراده تنوعًا ثريًّا وتكاملًا لصَونِ المكتسبات وحماية المنجزات واستدامة الاستحقاقات وصناعة الفارق.
د.رجب بن علي العويسي