الأحد 08 مارس 2026 م - 18 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الطاقة المتجددة رافعة للتحول الاقتصادي

السبت - 07 مارس 2026 03:00 م

رأي الوطن

10


يشهد العالم في العَقدَيْنِ الأخيرَيْنِ تحوُّلًا عميقًا في مفهوم الطَّاقة ودَوْرها في تشكيل الاقتصاد العالمي، حيثُ أصبحتْ عنصرًا حاسمًا في معادلة الأمن الاقتصادي والاستقرار الاستراتيجي للدول؛ فالتقلُّبات المتكررة في أسواق النفط والغاز ـ إلى جانب الضغوط المتزايدة للحدِّ من الانبعاثات الكربونيَّة ـ دفعتِ العديد من الدول إلى إعادة النظر في منظوماتها الطاقيَّة، والبحث عن مصادر أكثر استدامةً وأقلّ عرضة للتقلُّبات الجيوسياسيَّة. من هذا المُنطلَق ظهرتِ الطَّاقة المُتجدِّدة، وفي مقدِّمتها الطَّاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح، كأحَد أهمِّ أعمدة التحوُّل الاقتصادي العالمي، بعد أنْ أثبتتِ التطوُّرات التكنولوجيَّة قدرتها على خفض التكاليف وتحسين كفاءة الإنتاج، وهو ما جعلها خيارًا اقتصاديًّا تنافسيًّا إلى جانب كونها خيارًا بيئيًّا.. ومع تسارع هذا التحوُّل، أصبح الاستثمار في الطَّاقة المتجدِّدة مؤشِّرًا على قدرة الاقتصادات على التكيُّف مع متغيِّرات المستقبل، وعلى مدى استعدادها لبناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستدامة، قادرة على دعم النُّمو الاقتصادي دُونَ استنزاف الموارد أو تعريض الاقتصادات لمخاطر تقلُّبات أسواق الطَّاقة التقليديَّة. وتأتي تجربة سلطنة عُمان في هذا السياق العالمي لِتقدِّمَ نموذجًا عمليًّا لسياسات طاقة تستشرف المستقبل وتُعِيدُ تشكيل مزيج الطَّاقة الوطني على أُسُس أكثر تنوعًا واستدامة، حيثُ يشهد قِطاع الطَّاقة المُتجدِّدة في السَّلطنة توسُّعًا متسارعًا يعكس توجُّهًا استراتيجيًّا واضحًا نَحْوَ تعزيز أمن الطَّاقة ودعم التحوُّل الاقتصادي المرتبط برؤية «عُمان 2040». فالمشروعات الَّتي دخلتْ حيِّز التشغيل خلال السَّنوات الأخيرة، مِثل مشروع عبري (2) ومشروعَي منح (1) و(2) للطَّاقة الشمسيَّة، إضافةً إلى محطَّة ظفار (1) لطاقة الرياح، تُمثِّل خطوات عمليَّة في مسار بناء منظومة كهرباء أكثر تنوعًا ومرونة، وقد أسهَمتْ هذه المشروعات مُجتمعة في إضافة قدرة إنتاجيَّة تقارب (1550) ميجاواط، وهو ما رفع مساهمة مصادر الطَّاقة المُتجدِّدة في مزيج إنتاج الكهرباء إلى نَحْوِ (9) بالمئة من إجمالي الإنتاج، وهو ما يعكس انتقال الطَّاقة المُتجدِّدة في السَّلطنة من مرحلة المبادرات التجريبيَّة إلى مرحلة المشروعات الكبرى المرتبطة بالشبكة الوطنيَّة، وهو تحوُّل يُعزِّز موثوقيَّة منظومة الكهرباء ويؤسِّس لمرحلةٍ تتوسَّع فيها الاستثمارات في الطَّاقة النظيفة بوصفها أحد محرِّكات التحوُّل الاقتصادي في السَّلطنة.

ولا تتوقف أهميَّة التوسُّع في مشروعات الطَّاقة المُتجدِّدة عند حدود إنتاج الكهرباء، حيثُ يتجاوز أثَرها ذلك لِيصلَ إلى إعادة تشكيل منظومة الاقتصاد الطاقي بأكملها، إذ تُشير البيانات إلى أنَّ الطَّاقة المنتَجة من المصادر المُتجدِّدة في سلطنة عُمان تجاوزتْ (4) ملايين ميجاواط ساعة خلال عام 2025، وهو تطوُّر يعكس تسارع مساهمة هذا القِطاع في منظومة الكهرباء الوطنيَّة، كما تُسهم هذه المشروعات في تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، حيثُ يتوقع أنْ يؤدِّيَ التوسُّع في الطَّاقة المُتجدِّدة إلى تجنُّب حرقِ ما يقارب (1.5) مليار متر مكعَّب من الغاز، وهو ما يفتح المجال لتوجيه هذا المورد إلى الصناعات التحويليَّة أو إلى التصدير بما يُعزِّز العائد الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تُحقِّق هذه المشروعات أثرًا بيئيًّا ملموسًا، حيثُ تُسهم حاليًّا في تجنُّب نَحْوِ (1.62) مليون طن مكافئ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع توقُّع ارتفاع هذا الرَّقم إلى قرابة (9) ملايين طن بحلول عام 2030. كما تُعزِّز هذه المشروعات القِيمة المحليَّة المضافة في الاقتصاد الوطني، إذ تراوحت نِسَبها في بعض المشروعات بَيْنَ (15) و(22) بالمئة، مع توجيه ملايين الريالات إلى الشَّركات المحليَّة والمؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة، وهو ما يعكس تحوُّل الطَّاقة المُتجدِّدة إلى قِطاع اقتصادي متكامل يدعم التنويع الاقتصادي في السَّلطنة. إنَّ هذا المسار المتصاعد في التوسُّع بمشروعات الطَّاقة المُتجدِّدة في البلاد يعكس رؤيةً استراتيجيَّة تتجاوز حدود تطوير قِطاع الكهرباء لِتصلَ إلى إعادة صياغة موقع السَّلطنة في خريطة الطَّاقة العالميَّة خلال العقود المقبلة، فالمستهدفات الوطنيَّة برفع مساهمة الطَّاقة المُتجدِّدة في مزيج الكهرباء إلى ما بَيْنَ (30) و(40) بالمئة بحلول عام 2030، ثم إلى ما بَيْنَ (60) و(70) بالمئة بحلول عام 2040، وصولًا إلى مستويات تتراوح بَيْنَ (90) و(100) بالمئة بحلول عام 2050، تعكس إدراكًا مبكرًا للتحوُّلات العميقة الَّتي يشهدها الاقتصاد العالمي في مجال الطَّاقة، لِتتكاملَ مشروعات الطَّاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح مع التَّوَجُّه نَحْوَ تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر، الَّتي تمتلك سلطنة عُمان فيها مُقوِّمات تنافسيَّة مهمَّة بفضل وفرة الموارد الطبيعيَّة وموقعها الجغرافي وشبكاتها اللوجستيَّة. ومن هذا المُنطلَق يُمكِن النَّظر إلى التحوُّل في قِطاع الطَّاقة بوصفه استثمارًا استراتيجيًّا في مستقبل الاقتصاد الوطني، حيثُ تتحول الشمس والرياح من عناصر طبيعيَّة في البيئة العُمانيَّة إلى أُصول اقتصاديَّة قادرة على دعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز تنافسيَّة السَّلطنة في أسواق الطَّاقة النظيفة إقليميًّا وعالميًّا.