مسقط ـ العُمانية: تشكّل القصة القصيرة في سلطنة عُمان أحد أكثر الأجناس الأدبيّة قدرة على التقاط التحوّلات الإنسانيّة والاجتماعيّة اليوميّة الدقيقة، ورصد التفاعل بين الفرد وواقعه الاجتماعيّ والثقافيّ. فهي لا تكتفي بالتسجيل اليوميّ أو إعادة إنتاج المألوف، بل تنفتح بوصفها فضاءً إبداعيًّا رحبًا لاختبار الأسئلة العميقة، واستنطاق الذاكرة الجماعيّة، وفتح أسئلة لتواكب التحوّلات المُتسارعة برؤى سرديّة مُبتكرة. ومن خلال حساسيّة جماليّة واعية، أسهمت القصّة القصيرة العُمانية في إعادة تشكيل صورة الإنسان في سلطنة عُمان، لا بوصفه كائنًا مُنغلقًا في محلّيته، بل ذاتًا فاعلة قادرة على الحوار مع الإنسانيّ العام، ومشغولة بإعادة التوازن بين الموروث والتجديد، وبين الخصوصيّة والانفتاح.
كما تمكّن كتّاب القصّة القصيرة العُمانية من تحويل التجارب اليوميّة والإنسانيّة إلى نصوص ثريّة تحتفي بالتنوّع الاجتماعيّ وتعدد الرؤى، وهذا ما أكّد عليه الكاتب والقاص حمد بن رشيد آل جمعة الذي قال: إنّ القاصّ ابن بيئته ويتأثّر بما يحدث مثل الشاعر تمامًا، سواء على مُستوى بلده أو على المُستوى العالميّ، والأحداث التي نعيشها على مُستوى العالم أصبحت تُؤثر فينا تلقائيًّا، وخاصّة تلك المآسي الإنسانيّة التي تحدث ضدّ أطفال ونساء غزّة وفلسطين، فتنعكس فورًا على مزاج القاصّ ويحوّلها إلى أحداث قصصيّة بأسلوب (السهل المُمتنع)، الأسلوب الذي انتهجته في بدايات كتاباتي القصصيّة الأولى حيثُ دوّنتُ معاناة الشعب الفلسطينيّ المظلوم وحياة المُخيّمات والأطفال والنساء دون غذاء أو مياه.
ولأنّ للتفاصيل الصغيرة والهامشيّة دورٌ في كشف عمق التجربة الإنسانيّة ومنح اليوميّ أبعادًا جماليّة ودلاليّة أوسع، يذكر آل جمعة: لا يختلف اثنان أنّ قلم القصّاص الرشيق يبيّن التفاصيل الصغيرة والوصف الدقيق ولكن بشرط دون مُبالغة أو زيادة الحشو والخروج عن سرد القصّة وهدفها ونهايتها وحبكتها المعهودة ولا يجنح إلى الخيال.
وعن إسهام القصّة القصيرة في إبراز القيم الإنسانيّة والقدرة على التكيّف في ظل التحوّلات الاجتماعيّة، يقول محمود بن محمد الرحبي كاتب روائيّ وقاصّ عُماني: القصّة قبل كل شيء هي فنّ، والفنّ عادة رسالته الأخلاقيّة مضمرة، عليك أن تقرأ وأنت تفكّر عن دلالات القصّة (ماذا تريد أن تقول؟) ولأنه في نهاية المطاف لابد من رسالة، فمن عادة رسالة القصّة أن تكون قصيرة ولكنها بليغة، والقصّة الجيدة تكون مكثّفة خالية من الشحوم، لأنها ركضت جيدًا في ذهن كاتبها قبل أن تستقر على هيئة قصّة، في البداية نستمتع بقراءة القصّة ثم بعد ذلك نتساءل عن المغزى.
وفيما يتعلّق بالمدى الذي قدّمته القصّة القصيرة العُمانية لنماذج إنسانيّة نابضة تعبّر عن التوازن أو التوتر بين الموروث والانفتاح، وبين الفرد والمُجتمع، تقول أمل بنت راشد المغيزوية أكاديميّة وكاتبة عُمانية: (تناولت الكثير من القصص القصيرة العُمانية حياة الإنسان بتفاصيلها الكثيرة المُتباينة، فقدّمت نماذج إنسانيّة تركّز على الفرد الذي يواجه في حياته الكثير من العراقيل والصعوبات التي لا تنتهي، وفي ظل التسارع المُستمر لعجلة الزمن التي لا تتوقف، ظهرت القصّة بوصفها فنًّا مُؤثرًا لتعبّر عن التوازن أحيانًا بين التقاليد والعادات الراسخة في وجدان الفرد وبين عوالم الانفتاح الكثيرة من حوله، حيث نسجت القصّة القصيرة عبر تسلسل أحداثها صورة الفرد القادر على إيجاد التوازن بين ما اكتسبه من عادات وقيم وبين ما يُعايشه من اختلافات جمّة في مُختلف المجالات الاجتماعيّة والثقافيّة والتقنيّة والعلميّة).
وتؤكّد المغيزوية: (من ناحية أخرى ركّزت الكثير من القصص القصيرة على جانب التوتر الذي ينمو داخل الفرد ويدفعه للتمسّك بالعادات والأعراف التي اكتسبها، بينما يدفعه الخوف من التجديد لمُحاربة عوالم الانفتاح بوصفها جزءًا دخيلًا في حياته تُسهم في تحرّره عن بعض ما رسخ في داخله عبر سنوات طويلة، لذا نجد في القصّة القصيرة العُمانية الكثير من الشخصيات التي تعيش صراعًا نفسيًّا حادًّا نتيجة لرغبتها في التمسّك بالموروث وخوفها من التغييرات المُتسارعة التي يبدو أن بعضها لا يتفق مع القيم والمعايير الراسخة في وجدان الفرد).
وتُضيف : القصّة القصيرة تُظهر ذلك الإنسان بصورة الفرد المُنطوي على نفسه، المُنعزل عن الآخر الواقع في مُحيطه، ذلك الشخص الذي يدفعه التوتر الداخلي العميق لاعتزال مُجتمعه بل ومُحاربته أحيانًا، لأن كل تلك التغييرات المُتسارعة شكّلت له تهديدًا داخليًّا كبيرًا، وفقد الحضن الآمن الذي كان يلجأ إليه في أزماته ونكباته.
وأوضحت أنّ القصّة القصيرة العُمانية أسهمت في تعميق الوعي بالهوية الثقافيّة وتعزيز حضور الإنسان في سياقاته المُختلفة بأدواتٍ سرديّة وجماليّة، حيثُ جرى توظيف تقنيات مثل الرمز، واللُغة الإيحائيّة، وبناء الشخصيّة لإعادة صياغة الهويّة.
ولابد أنّ القصّة القصيرة العُمانية استطاعت أن تشكّل جسرًا ثقافيًّا يصل المحليّ بالإنسانيّ العام ويمنح التجربة العُمانية أفقًا يتجاوز الإطار الجغرافيّ والثقافيّ، وفي هذا الجانب تقول إشراق بنت عبد الله النهدي كاتبة وقاصّة عُمانية: القصّة القصيرة العُمانية بما فيها من أصالة الأفكار يُمكنها أن تحمل أبعادًا فلسفيّة أو نقدًا اجتماعيًّا رغم محدوديّة كلماتها، وذلك بشكل كبير وعميق بما تطرحه من قضايا ومواقف وحكايات وأحاديث وشخصيات كلها تتمحور في الطرح دون وعظ أو تنظير من خلال عرض تجارب حيّة قادرة على تمرير رسالة إنسانيّة بحتة تناسب جميع القرّاء في كل مكان. وتُضيف: يكمن في جوهرها التساؤل والبحث عن القيمة الوجوديّة فيُكمل القارئ مُستشعرًا المعنى من خلال التفكير والتحليل والربط دون الاكتراث بالحدود المكانيّة والفوارق الجغرافيّة.