بينما كنتُ غارقةً في قراءة روايةٍ تتجاوز أربعمائة صفحة، جلست إلى جواري شابة من (جيل زد)، أو ما يُسمّى بالجيل الرقمي. رمقتني بدهشةٍ صادقة وسألت: أتقرئين كتابًا بهذا الحجم؟ ابتسمت وأجبتها: نعم، وقد قرأتُ عشراتٍ مثله من قبل، فهذه رواية لروائيةٍ عُمانية أحبّ أعمالها وأترقّب كل جديد منها.
غير أنّ دهشتي الحقيقية لم تكن في سؤالها، بل في غياب الأسئلة التي كنت أتوقعها ؛ لم تسأل عن اسم الكاتبة، ولا عن موضوع الرواية، ولا حتى بدافع فضولٍ عابر. كنتُ أظنّ أن مثل هذه الأسئلة تنبثق تلقائيًا من الموقف، إن لم تكن رغبةً في المعرفة فلتكن على الأقل من باب الفضول. لكنها قالت باقتضابٍ حاسم: أنا لا أقرأ أيّ كتب.
بدت عبارتها كأنها تغلق بابًا قبل أن يُفتح، وتُنهي حوارًا قبل أن يبدأ. حينها قفز إلى ذهني ما يُقال عن (جيل زد)؛ الجيل الذي وُلد بعد الألفية، ونشأ في حضن الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى صار العالم الرقمي لغته الأولى ، ونافذته الأوسع على الحياة .
بدافع الفضول، ورغبةً في أن أستكشف كيف يفكّر هذا الجيل، حاولت أن أستدرج الشابة إلى حوارٍ أوسع عن الفن والفنون، وأوضّح لها أن الكتاب الذي أقرأه رواية، وأن الرواية تنتمي إلى الأدب، والأدب أحد أنواع الفنون. غير أن الموقف بأسره كان صادمًا، فهذه الشابة، التي تنتمي إلى (جيل زد)، والتي فهمتُ أن تخصّصها الجامعي كان في إحدى العلوم الإنسانية، لم تكن لديها أدنى فكرة عن ماهية الفن، ولا عن أهميته، ولا عن أنواعه، ولا عن الأسس التي قُسِّمت الفنون بموجبها والأغرب من ذلك أنها لم تُبدِ اهتمامًا يُذكر بما أقول. قاطعتني فجأة بسؤالٍ مقتضب: وما المهم في ذلك؟ (تقصد ما أشرحه لها) حتى تقرئين كتابًا بكل هذا الحجم؟ كان واضحًا أن ما يشغلها هو عدد الصفحات لا الفكرة، شكل الكتاب لا محتواه . عندها آثرتُ الإيجاز وقلت: لعلّي في يومٍ ما أكتب مقالًا يوضح أهمية ما أتحدث عنه… وربما تفهمين حينها.
واليوم أوجّه حديثي إليها، وإلى كلّ من ينتمي إلى (جيل زد)، الجيل المرتبط بالتكنولوجيا ارتباطًا وثيقًا، الميال إلى السرعة واختصار الطريق إلى المحتوى. أقولها لكم باختصارٍ: إنّ الفنون، على اختلاف أشكالها، ليست ترفًا ، بل هي غذاءٌ خفيّ للروح.
فالإنسان لا يعيش بجسده وحده، ذلك الجسد الذي يحتاج إلى الطعام ليبقى حيًّا؛ بل هو روحٌ كذلك، وهذه الروح تحتاج إلى ما ينعشها، ويخفّف عنها أعباء الحياة ، ويصقل إحساسها بالجمال. بالفنّ تتّسع الرؤية، وتتهذّب المشاعر، ويستعيد القلب توازنه.
وبما أنّكم أبناءُ عصرِ السرعة وتدفّق المعلومات، فإنّ حاجتكم إلى الفنون أشدّ مما تظنّون. ففي زحام المحتوى وتتابع الشاشات، تظلّ أرواحكم في أمسّ الحاجة إلى ما يغذّي أعماقها ويوقظ وجدانها.أنتم بحاجة إلى موسيقى تُحرّك مشاعركم حين تخمد، وتهدّئها حين تضطرب. بحاجة إلى لوحةٍ فنية تعكس أفكاركم وأحاسيسكم عندما تعجز الكلمات عن البوح بها. بحاجة إلى نصٍّ أدبي يلامس قلوبكم، ويُنمّي خيالكم، ويمنحكم فسحةً للتأمّل خارج صخب الواقع. وبحاجة إلى مسرحيةٍ أو فيلمٍ سينمائي كي تفهمون الحياة والناس وما يدور حولكم. وعقولكم كذلك في حاجةٍ إلى إدراك حقيقة بسيطة وعميقة: أنّ كلّ بناءٍ راسخ يسبقه رسمٌ هندسيّ دقيق؛ فكما لا يقوم صرحٌ بلا مخطّط، لا تستقيم حياةٌ بلا فنّ يُهذّب الذوق، ويُنظّم الفكر، ويمنح المعنى شكلاً جميلاً. وختامًا ، بعيدًا عن أية تفاصيل قد تبدو مملة بالنسبة إليكم إن الفن عنصر أساسي من عناصر تكوين الفرد والمجتمع .
د. آسية البوعلي
باحثة وكاتبة عمانية