الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الرجال فـي القرآن الكريم «سماتهم وخصائصهم وأوصافهم» «4»

الأربعاء - 04 مارس 2026 12:01 م

..والثامن: (قوم موجودون في مكة يكتمون إسلامهم؛ خوفًا من بطش أهل مكة بهم، ووجلًا من أن يدخل المؤمنون فاتحين، فيقتلوهم دون علم بإيمانهم، فيصبحوا على فعلتهم نادمين).قال تعالى:(.. والهدي مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ..) (الفتح ـ 25)، فهم هنا رجال، ونساء: مؤمنون، ومؤمنات، يكتمون إيمانهم من مشركي مكة؛ حتى لا يؤذوهم بالقتل، والتعذيب، فإذا دخل المؤمنون مكة فاتحين، فقد يقع منهم قتل لهؤلاء المؤمنين بالله، فيصيب الفاتحين معرة بغير علم، والمعرة في سياق الآية القرآنية هي:(العار، والإثم، والعيب، وكذلك هي الجناية، والألم، والمشقة)، وذلك يحدث بسبب القتل دون معرفة أن القتيل مؤمن؛ مما يترتب عليه كفارة، أو ذنب من غير قصد، فالآية تشرح، وتبين أن الله منع المؤمنين من فتح مكة منعًا جزئيًا، وقال:(ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطئوهم) حتى لا يصيبهم هذا الإثم بجهل منهم، وليدخل الله من يشاء في رحمته. فقد حذر الله الفاتحين في قضية فتح مكة، وعدم التعجل في ذلك، حتى لا يقتل هؤلاء المؤمنون بغير علم، أي: بدون معرفة، أو جهل، أي: أن القتل لم يكن مقصودًا مع العلم بإيمان المقتول، والمعنى العام هنا هو أنه:(ولولا وجود رجال مؤمنين، ونساء مؤمنات في مكة، لم تعلموهم، لكان بإمكانكم فتحها، دون أن يصيبكم عار، أو إثم بجهلكم بقتلهم)، فمن رحمة الله بالمؤمنين المتخفين بين المشركين في مكة أنه ـ سبحانه ـ منع المؤمنين من فتح مكة فورًا؛ لحماية المؤمنين الموجودين في مكة، الذين لم يكونوا معروفين لهم؛ حتى لا يقع عليهم إثم قتلهم بغير قصد، بدليل أنهم لو تميزوا، وانفصلوا عن المشركين، لسمح الله للفاتحين أن يدخلوا، ويصيبوا المشركين ألوان العذاب، وأصناف التقتيل، والتنكيل، قال تعالى بعدها:(لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا عذابًا أليمًا) (الفتح ـ 25)، أي: أنه لو انفصل، وتميز، وتقرق هؤلاء الكفار عن المؤمنين الذين كانوا مختلطين بهم، لقاتل الله الذين كفروا، وعذبهم عذابًا شديدًا، حيث يُشير السياق هنا إلى وجود مؤمنين ومؤمنات، رجال ونساء، مستضعفين بين المشركين، ولولاهم لما سمح الله للمسلمين بالقتال؛ لتجنب إصابتهم عن طريق الخطأ، فالآية تعبر عن حكمة الله في دفع العذاب عن الكفار؛ بسبب وجود المؤمنين المتكتمين بإيمانهم بينهم، فوصفهم الله بهذا الوصف الكريم؛ لمعايشتهم المشركين، وتحملهم تلك الفترة الطويلة حبا في الله، ودينه، وثباتا على الحق، مهما كان الثمن، وكانت العاقبة، ولكن رحمة الله أدركتهم، ولم تتعجل الفتح؛ حتى تم هذا الفتح بيسر، وسهولة، ودون عناء أو حرب، كان سيروح فيها خلق كثير من المؤمنين، وسينال المؤمنين العار، والحزن، والخزي، والضيق؛ جراء قتل إخوانهم المؤمنين، وسيظلون متألمين طيلة حياتهم؛ حزنًا عليهم، وكانت السبة، والمذلة للقاتلين، حيث يتمنون رحمة الله، ويرجون أن يغفر الله لهم. فالهدف من تلك الآية هو تبيين حكمة الله في تأخير العذاب عن الكفار، حيث دفع عنهم العذاب؛ بسبب وجود المؤمنين، المستضعفين بينهم؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء من المؤمنين الذين كانوا مختلطين بالكفار، ويبقون في الحياة لطاعة الله، وعبادته، والتمكين لدينه في الأرض.

د. جمال عبد العزيز أحمد

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]