الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : أحداث الخليج فـي ظل الحرب على إيران: بين تداعيات الحرب وأولوية التلاحم الخليجي والعربي والإسلامي

في العمق : أحداث الخليج فـي ظل الحرب على إيران: بين تداعيات الحرب وأولوية التلاحم الخليجي والعربي والإسلامي
الأربعاء - 04 مارس 2026 06:16 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

تعيش منطقة الخليج العربي اليوم حالة من التوتُّر المتسارع في ظل الحرب الأميركيَّة «الإسرائيليَّة» على الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، بحيثُ لا يُمكِن قراءتها بمعزل عن طبيعة المرحلة الَّتي تمرُّ بها المنطقة، وحجم التحدِّيات الَّتي تراكمت في واقعها السياسي والاقتصادي والأمني، فالمشهد الراهن، بما يحمله من تصعيد عسكري، وخطابات متشنجة، واستعراض للقوَّة، يُعِيد إلى الأذهان صورًا مؤلمة من تاريخ المنطقة، ويضعها مجددًا على حافَّة اختبار صعب بَيْنَ صوت الحكمة والعقل والبناء وهوَّة الاندفاع، والانزلاق في وحْلِ الهدم، فهو اختبار حقيقي لوعي قيادات المنطقة واستيعابها للدروس السابقة، في قدرتها على إدارة خلافاتها، وحماية أمنها، وصون مكتسباتها التنمويَّة، ومنع انزلاقها في حرب عبثيَّة.

ذلك أنَّ منطقتنا العربيَّة عامَّة، والخليجيَّة خاصَّة، لا تحتمل مزيدًا من التصعيد، ولا تقوى على استقبال حرب جديدة تُضاف إلى سجل الحروب الَّتي أنهكت الإنسان، واستنزفت الموارد، وبدَّدت فرص التنمية، وأضعفت هيبة الأوطان. وما يجري اليوم من حرب على إيران، في سياق تداخل المصالح بَيْنَ الولايات المُتَّحدة و»إسرائيل»، تطوُّر خطير قد يُعِيد تشكيل ملامح المنطقة سياسيًّا واقتصاديًّا، ويضعها أمام تحوُّلات عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عُمق الهُوِيَّة والمصير، ذلك أنَّ أيَّ تصعيد عسكري في هذه المنطقة الاستراتيجيَّة من العالم يعني تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي، ولممرَّات الملاحة الحيويَّة، وفي مقدِّمتها مضيق هرمز، الَّذي تمرُّ عَبْرَه نَحْوَ (20%) من الإمدادات العالميَّة من صادرات النفط والغاز.

ونظرًا لِما تُشكِّله منطقة الخليج اليوم من منظومة اقتصاديَّة متكاملة، ومصدر رئيس للطاقة العالميَّة، ومركز استثماري ومالي يتقاطع فيه المحلِّي بالإقليمي والدولي، وهو فضاء اقتصادي متكامل، تتشابك فيه المصالح، وتترابط فيه سلاسل الإمداد، فإنَّ أيَّ خلل في إحدى حلقاته ينعكس على المنظومة بأكملها، وأيَّ اضطراب في أمنه سيؤثِّر على أسواق النفط، وحركة الملاحة، وثقة المستثمرين، وخطط التحوُّل الوطني الَّتي تبنَّتها دوَله خلال العقود الماضية، والاقتصادات الخليجيَّة الَّتي قطعت شوطًا كبيرًا في مسارات التنويع والتحوُّل الوطني، لا تحتمل انتكاسة كبرى تُعِيد ترتيب الأولويَّات. فالحرب، حتَّى وإن لم تطُلْ أراضي بعض الدول مباشرة، فإنَّ آثارها ستنعكس على أسواق المال، وتكلفة التأمين، وحركة التجارة، وثقة المستثمرين، بل وعلى الاستقرار الاجتماعي الَّذي يُعَدُّ أساس مشروع تنموي.

ومن هنا، فإنَّ مسؤوليَّة الحفاظ على الاستقرار لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل تمتدُّ إلى مختلف فئات المُجتمع ونُخبه الفكريَّة والإعلاميَّة، وإلى منصَّات التواصل الاجتماعي الَّتي باتتْ تُشكِّل اليوم ساحةً رئيسة لتشكيلِ الوعي وصياغة الرأي العام؛ غير أنَّ ما نلحظه من بعض الكتابات غير المتَّزنة بشأن الحرب، يعكس الغياب التأريخي لآثار هذه الحروب في وعي هذه الفئة، وافتقارها إلى العُمق والحكمة في قراءة الحالة، وهي خطابات لا تخدم الأُمَّة، ولا تحمي مصالحها، بل تفتح الباب أمام مزيدٍ من الانقسام والخلاف، وتمنح القوى الخارجيَّة فرصة لاستثمار الخلافات وتعميقها؛ لأنَّنا ندرك أنَّ الحرب لن تكُونَ محدودة في آثارها، ولن تقتصرَ على طرفيْنِ بِعَيْنِهما، بل ستتَّسع دائرتها لِتشملَ فضاءات أوسع، وتمتدُّ تداعياتها لسنوات طويلة، فإنَّ من يظنُّ أنَّ الحرب يُمكِن أن تكُونَ وسيلةً سهلة لإعادة ترتيب التوازنات، إنَّما يتجاهل حقائق التاريخ، وحجم الدَّمار الَّذي تتركه في الإنسان والتنمية.

لذلك نؤكِّد أنَّ المطلوب اليوم ليس شحنًا للعواطف ولا استحضارًا للمذهبيَّة والطائفيَّة، بل إعادة الاعتبار لمنهج العقل، وتعزيز ثقافة الحوار، والبحث عن منصَّات الحكمة وصوت التعقل، وتعظيم مسار الدبلوماسيَّة النشطة، وتجديد مبادرات الوساطة الإقليميَّة، وتفعيل أدوار المؤسَّسات المشتركة، وفي مقدِّمتها مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة وجامعة الدول العربيَّة، ومنظَّمة المؤتمر الإسلامي؛ لِتكُونَ حاضنةً لتنسيق المواقف، وتوحيد الرؤى، ومنع الانزلاق نَحْوَ مواجهة شاملة. ويصبح التلاحم الخليجي والعربي والإسلامي في هذه المرحلة ضرورة وجوديَّة تفرضها طبيعة التحدِّي، إذ حين تتعرض إحدى دول المنطقة لعدوان، فإنَّ انعكاساته لا تتوقف عند حدودها، بل تمتدُّ إلى جوارها القريب والبعيد. وأمن الخليج كُلٌّ لا يتجزأ، واستقرار إيران، مهما اختلفت المواقف السياسيَّة، يرتبط بأمن الإقليم بِرُمَّته.

ومن هنا، فإنَّ إثبات حُسن النيَّة بَيْنَ دول الجوار، وتعزيز قنوات التواصل، واحترام السيادة الوطنيَّة، وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة، تُمثِّل أُسسًا لا غنى عنها لمنع تفاقم الوضع، ويصبح التلاحم والتعاضد والتكامل أدوات عمليَّة لمواجهة الضغوطات، وتقوية الموقف التفاوضي، ومنع القوى الخارجيَّة من استثمار الانقسامات في فتح باب المواجهة مع إيران.

لقد علَّمتنا تجارب المنطقة أنَّ الحروب لا تحلُّ المُشْكلات، بل تؤجِّلها وتُعِيد إنتاجها في صوَر أكثر تعقيدًا وقسوةً، وأنَّ الكلفة الحقيقيَّة للحرب تظهر في ما تخلِّفه من شروخ في النسيج الاجتماعي، ومن أعباء اقتصاديَّة تُثقل كاهل الأجيال القادمة، ومن فقدان للثقة بَيْنَ الشعوب. وإنَّ مَن يتأمل واقع الأُمَّة اليوم، وما تعانيه من تحدِّيات في بعض أقطارها، يُدرك أنَّ الأولويَّة ينبغي أن تكُونَ لإعادة البناء، وتعزيز التنمية، وتحقيق العدالة، لا لإشعال صراع جديد. لذلك فإنَّ الوعي الخليجي والعربي والإسلامي في هذه اللحظة العصيبة يَجِبُ أن يرتكزَ على إدراك حجم المسؤوليَّة التاريخيَّة، وأن يرفضَ تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدوليَّة، أو مختبرًا لتجريب سياسات الهيمنة. كما أنَّ دَوْر الإعلام الخليجي والعربي في هذه المرحلة ينبغي أن يكُونَ دَوْرًا توعويًّا، يعمِّق الفَهْم، ويكشف المخاطر، ويبتعد عن الإثارة والتهويل. فإنَّ مسؤوليَّة الكلمة تقتضي صدقًا في التحليل، وعمقًا في التشخيص، واتِّساعًا في الرؤية، بحيثُ تُسهم في بناء مناخ يرفض الحرب، ويبحث عن بدائل سلميَّة، ويؤمن بأنَّ الحوار، مهما طال، أقلُّ كلفة من المواجهة المُسلَّحة.

وفي خضمِّ هذا المشهد المتشابك، يبقى صوت الحكمة هو الأمل الأكبر. صوت يدعو إلى تضميد الجراح، وسدّ الثغرات، وإيقاظ الضمير الجمعي، واستحضار قِيَم العدل والإنصاف واحترام الإنسان. وتعزيز منصَّات السَّلام والحوار والتنمية وفتح صفحات البناء على المشتركات ـ وما أكثرها ـ، فإنَّ السَّلام القائم على الحوار والتعايش والاحترام المتبادل، فهو الطريق الأقوى لحماية الأوطان، وصون الكرامة، وتأمين مستقبل الأجيال. وإنَّ أبناء هذه الأُمَّة، في الخليج والعالم العربي والإسلامي، مدعوون إلى الوقوف صفًّا واحدًا في رفض الحرب، وإلى إعلان موقف واضح يؤكد أنَّ المنطقة قادرة على إدارة خلافاتها بالحوار، وأنَّها ترفض أن تكُونَ وقودًا لصراعات الآخرين. إنَّ تكثيف الجهود السياسيَّة والتواصليَّة، وفتح قنوات تفاوض متكافئة، وبناء شراكات عادلة، كُلُّها مسارات يُمكِن أن تُسهمَ في خفض التوتُّر، ومنع اتِّساع رقعة الحرب؛ فإنَّ المرحلة الراهنة تتطلب وعيًا عميقًا، وإرادة صادقة، وتلاحمًا خليجيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا يرقى إلى مستوى التحدِّي، فحفظ المنطقة من حرب عبثيَّة، وإثبات حُسن النيَّة بَيْنَ دول المنطقة، وتعزيز التعاون والتكامل، أولويَّات تفرضها طبيعة الواقع، وحقّ للأجيال القادمة في أن تعيشَ في أمن واستقرار وتنمية مستدامة.

أخيرًا، فإنَّ ما نشهده في هذه الأيَّام منذ تصعيد عسكري وقَبل ذلك من حراك دبلوماسي واسع النطاق لاحتواء التصعيد العسكري يَقُوده حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحكومته الرشيدة مع قيادات المنطقة والعالم، في استنكار للتصعيد العسكري وما ينطوي عليه من مخاطر جسيمة، والتأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وضبط النفْس والوقف الفوري للأعمال التصعيديَّة، والعودة إلى مسارات الحوار والدبلوماسيَّة بما يصون أمن واستقرار المنطقة وسلامة شعوبها، إنَّما يأتي في إطار النهج المتَّزن والحكيم الَّذي تنتهجه سلطنة عُمان ومسؤوليَّتها التأريخيَّة في دعم السَّلام، وتعزيز الحوار والحياد الإيجابي من خلال نهج الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر بَيْنَ الأطراف المتنازعة، وتغليب الحوار والدبلوماسيَّة كخيار استراتيجي دائم، بما يُسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي عَبْرَ سياسات متوازنة ومسؤولة. لـ»تظلَّ رسالة عُمان للسَّلام تجوب العالم، حاملةً إرثًا عظيمًا، وغاياتٍ سامية، تَبْني ولا تهدم، وتقرِّب ولا تُباعد».

حفظ الله بلدنا سلطنة عُمان وسائر بلاد المُسلِمِين، سائلين الله جلَّت قدرته أن يرفعَ هذه الحرب، وأن يَسُودَ السَّلام والأمان رُبوع المنطقة، إنَّه على كُلِّ شيء قدير.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]