الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : التصعيد العسكري.. والدبلوماسية العمانية

أضواء كاشفة : التصعيد العسكري.. والدبلوماسية العمانية
الأربعاء - 04 مارس 2026 06:05 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

10

الحرب الأميركيَّة «الإسرائيليَّة» ـ الإيرانيَّة ليست حدثًا عابرًا.. بل فصلًا من تاريخ طويل من التوتُّرات.. كانت فيه الدبلوماسيَّة العُمانيَّة رمزًا لجسر من التفاهم وتقريب وجهات النظر، حيثُ كانت تُدرِك أنَّ السياسة قد تُدار بالقوَّة، لكنَّها لا تستقر إلَّا بالتفاهم، وإذا كانت الحروب تُكتب بالنار فإنَّ السَّلام يُكتب بالصبر وبأصوات تؤمن بأنَّ الكلمة أقوى من الرصاصة. لقد بلغتِ الجولة الثالثة من المفاوضات الأميركيَّة الإيرانيَّة في جنيف مستوى غير مسبوق من التقدُّم بعد جهود عُمانيَّة مضنية وصبر استراتيجي استطاع أن يحوِّلَ التفاوض المستحيل إلى التفاوض الممكن، وضاقت المسافة بَيْنَ الطرفين المتنازعين إلى حدٍّ قياسي لدرجة الوصول لصياغة قابلة للتوقيع، وهو ما كان يُعَدُّ فرصةً تاريخيَّة لا تتكرر بعد أن وافقت إيران على منح ضمان عدم امتلاك أسلحة نوويَّة بوقف تخزين المواد المخصبة الَّتي تَقُوم عليها عمليَّة تصنيع السِّلاح النووي.. وهو ما أصاب العالم أجمع بحالة من التفاؤل؛ إذ كانت الأنظار تتركز على التهديدات الأميركيَّة «الإسرائيليَّة» وزيادة التسليح في منطقة الشرق الأوسط والخوف من اشتعال فتيل الحرب. ولكن لم ترغبْ «إسرائيل» أن يحلَّ السَّلام على المنطقة وكأنَّها خافت من تطبيق الاتفاق واستقرار العالم وانتهاء الأزمة الإيرانيَّة، لا سِيَّما أنَّ هذا الاتِّفاق كان سيُعِيد توزيع بعض من ميزان القوى في العالم.. فبَعد مُضي ساعات من هذا الاتِّفاق قُصِفت إيران لِتشتعلَ المنطقة وتُقوَّض كُلُّ الجهود العُمانيَّة وتُضرَب في مقتل.. لِيتضحَ أنَّ الخوف من إيران لم يكُنْ من ملفِّها النووي ولكن الموضوع أبعد من ذلك.. والنتيجة أنَّ دول الخليج، بل العالم أجمع يدفع فاتورة هذا التصعيد العسكري.. فأسواق الطاقة والذَّهب وأحوال الاقتصاد والأمن أصبحت تعاني من اضطرابات شديدة ضحيَّتها المواطن البسيط الَّذي لا ناقة له ولا جَمل. إنَّ الصراع الدَّائر حاليًّا لم يكُنْ وليد اللَّحظة.. فمنذ الثورة الإيرانيَّة عام 1979 تشكَّلت قطيعة عميقة بَيْنَ واشنطن وطهران وتحوَّلت «إسرائيل» إلى عقدة مركزيَّة في الحسابات الأمنيَّة الإيرانيَّة، فيما رأت «تل أبيب» في المشروع النووي الإيراني تهديدًا وجوديًّا.. ومع مرور السنوات تداخلت الملفات بَيْنَ البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والعقوبات الاقتصاديَّة وحروب الوكالة الممتدَّة من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وفي السنوات الأخيرة تحوَّل الصراع بَيْنَ «إسرائيل» وإيران إلى ما يُشبه الحرب الصامتة المتمثلة في ضربات جويَّة وهجمات سيبرانيَّة واستهداف منشآت حسَّاسة واتهامات متبادلة.. وفي ذات الوقت كُلُّ طرف يعلن أنَّه لا يريد حربًا شاملة، لكنَّه يتصرف كما لو أنَّ الحرب احتمال دائم.. فالردع هنا ليس وعدًا بالسَّلام، بل إدارة دقيقة لحافَّة الهاوية. أمَّا الولايات المُتَّحدة فتقف في موقع الحليف الاستراتيجي لـ«إسرائيل» والمفاوض الحذر مع إيران.. فهي تمسك العصا من طرفين تحاول منع طهران من امتلاك سلاح نووي وتطمئن حلفاءها في المنطقة.. لكنَّها تُدرِك أنَّ شرارة واحدة قد تجرُّها إلى مواجهة مفتوحة لا ترغب فيها. وفي خضم هذا الاحتدام برزت سلطنة عُمان بوصفها صوتًا مختلفًا.. فمنذ عقود اتَّخذت مسقط نهج الحياد الإيجابي وبَنَتْ جسورًا هادئة بَيْنَ الخصوم.. ولم تكُنْ عُمان تبحث عن أضواء الوساطة، بل عن إطفاء الحرائق قَبل أن تستعرَ.. فأدَّت في كواليس التفاوض بَيْنَ واشنطن وطهران دَوْر الوسيط الَّذي ينقل الرسائل حين تنقطع القنوات الرسميَّة.. ولم تكُنِ الدبلوماسيَّة العُمانيَّة مجرَّد تكتيك سياسي، بل رؤية أخلاقيَّة تَقُوم على أساس أنَّ الأمن الإقليمي لا يُبنى على إقصاء أحد، وأنَّ الحوار في أقسى اللحظات يبقى أقلَّ كلفة من الحرب. إنَّ الواقعيَّة السياسيَّة تقول إنَّ الدول تتحرك وفْقَ مصالحها.. والدبلوماسيَّة ليست ترفًا أخلاقيًّا، بل أداة بقاء.. فحين تُمنح الوساطات فرصة يُعاد فتح نافذة كانت تبدو موصدة.. وحاليًّا يَقُود حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ ومعالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة جهودًا كبيرة عن طريق اتِّصالات مستمرَّة مع الدول الشقيقة والصديقة لنزع فتيل الحرب وكبح جماح الدمار الَّذي يأخذ في طريقه الأخضر واليابس؛ فالسَّلام هو الطريق الوحيد للوصول للاستقرار.. خصوصًا أنَّ باب الدبلوماسيَّة لا يزال مفتوحًا لحلِّ النزاع بَيْنَ الولايات المُتَّحدة وإيران كما قال معالي السَّيد بدر البوسعيدي. فعلى الولايات المُتَّحدة الأخذ برأي معالي وزير الخارجيَّة حين دعاها لعدم الانجرار أكثر في الحرب وكما قال للأميركان «هذه الحرب ليست حربكم» لأنَّ استمرار التصعيد سيزيد من معاناة الأبرياء فعليها أن تُعِيدَ النظر مرَّة أخرى في الموقف بِرُمَّته والعودة لمائدة المفاوضات، لا سِيَّما أنَّها من المفترض أنَّها الراعي الرَّسمي للسَّلام لمُشْكلة الشرق الأوسط. ندعو الله أن ينتهيَ هذا التصعيد العسكري سريعًا ويَسُود الاستقرار المنطقة مرَّة أخرى ويأتي العيد بالفرحة الَّتي نتأملها.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني