الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

لعنة العقد الثامن بين هواجس الداخل ونبوءات الزوال

لعنة العقد الثامن بين هواجس الداخل ونبوءات الزوال
الأربعاء - 04 مارس 2026 06:02 ص

خميس بن عبيد القطيطي

20

الحديث عن «لعنة العَقد الثامن» ليس مجرَّد تأويل دِيني أو خِطاب عابر في الإعلام العربي، بل أصبح جزءًا من النقاش الداخلي في «إسرائيل» نفسها. الفكرة لم تأتِ فقط من قراءات التوراة أو التلمود، بل ظهرت بوضوح في كتابات وتحذيرات قادة «إسرائيليين» سابقين. واليوم فإنَّ استحضار لعنة العَقد الثامن ليست فقط في إطار النظريَّات ونبوءات الحاخامات وأسفار التلمود والتوراة أو في سياق تحذيرات العديد من ساسة «إسرائيل» أمثال أيهود باراك الَّذي كتَب في الذِّكرى الـ(74) لصحيفة «يديعوت أحرونوت» تحذيراته حَوْلَ لعنة العَقد الثامن: «في فترتين قامت لبني «إسرائيل» سيادة كاملة في أرضه، وبشَّر العَقد الثامن في الحالتين بتفكك السيادة، وككيان سيادي وصلنا اليوم إلى العَقد الثامن، ونحن، كمن استحوذ عليهم الهوس، بتجاهل لتحذيرات التلمود، نعجّل النهاية» والفترتان اللَّتان يقصدهما باراك هما دولة داؤود الَّتي استمرَّت (76) عامًا ودَولة الحشمونائيم الَّتي قامت عام 140 قَبل الميلاد وزالت من الوجود عام 63 قَبل الميلاد، وكلتا الدَّولتين زالتا قَبل نهاية العَقد الثامن ولم تتجاوزاه. هناك مَن يتحدث أنَّ هذا السياق الصهيوني يدغدغ مشاعر رعاة الحركة الصهيونيَّة وقوى الاستعمار الَّتي تكفلت بالحفاظ على أمن «إسرائيل»، لكنَّ هذه الرعاية والحماية الَّتي استمرَّت (77) عامًا حتَّى الآن إلى متى سوف تستمر؟ وطالما أنَّ مؤرِّخي الكيان أنْفُسهم وصانعي القرار في كيان الاحتلال مثل باراك وجانتس وبينيت وحتَّى رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو عَبَّروا عن تلك المخاوف بطريقة أو بأخرى، وكُلُّهم يحذرون من مسألة الانقسام الداخلي، وهو ما لمسناه خلال التغيير المستمر لحكومات الاحتلال؛ ممَّا يدلِّل على الخلل في بنية الكيان الصهيوني، وهذا ملحوظ بشكلٍ كبير في السنوات الَّتي سبقت معركة طوفان الأقصى. نبوءات الشَّيخ أحمد ياسين مؤسِّس حركة حماس والشَّيخ بسام جرار وبعض العلماء المُسلِمِين الَّذين تحدَّثوا عن زوال دولة «إسرائيل» الثالثة، وكذلك الشَّيخ محمد متولي الشعراوي الَّذي لم يحدِّد توقيتًا معيَّنًا، لكنَّه استند إلى تفسير سورة الإسراء وفسَّر آياتها من (4) إلى (8) الَّتي دلَّت دلالة قاطعة على الزوال في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)) صدق الله العظيم. وفي أواخر سورة الإسراء يقول الله تعالى في سورة الإسراء: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)) صدق الله العظيم. لا شك أنَّ هذه الدلائل أكَّدت حقيقة الزوال ولم تحدِّد التوقيت، لكنَّ المؤشِّرات والدلائل الَّتي يتخوف منها الصهاينة واضحة للعيان، سواء ما يتعلق بالانقسام الداخلي أو الخلل الديمغرافي أو المشهد الفلسطيني الداخلي المقاوِم، إضافةً إلى أنَّ مؤرِّخي «إسرائيل» كُلَّهم مصابون بهذه الفوبيا ولعنة العَقد الثامن، لا سِيَّما أنَّ تاريخ كيانات بني «إسرائيل» كُلِّها لم تتجاوز هذا العَقد. واليوم ورغم محاولات قادة الصهيونيَّة الحديث عن «إسرائيل الكبرى» إلَّا أنَّهم يخفون معها حالةً من عدم الثقة والخوف من تلك الخلفيَّة التاريخيَّة الَّتي تكررت لكيانات سابقة، وهو ما يجثم على واقع بني صهيون متمثلًا في الحالة الأمنيَّة غير المستقرَّة في الداخل والخارج، والأهمُّ هو الشعور الداخلي بأزمة الهُوِيَّة وأزمة الخطيئة التاريخيَّة المتجدِّدة، فما هو قائم على باطل هو باطل، والاحتلال الصهيوني قام على اغتصاب حقوق الغير، وشكَّل كيانه نتيجة التهجير القسري وعمليَّات الترهيب والمجازر الَّتي ارتُكبت منذ بداية تأسيس كيانهم اللقيط، حيثُ ارتُكبت مجازر جماعيَّة كما حدَث في دير ياسين وغيرها من المجازر. وليس غريبًا على قتلة الأنبياء في الألفيَّة الأولى قَبل الميلاد إقدامهم على قتل الأطفال في الإفساد الأخير الَّذي وعد الله عباده المؤمنين الصَّادقين بزوال الكيان الصهيوني. «لعنة العَقد الثامن» ليست حدثًا غيبيًّا يُنتظر، بل تعبير عن أزمة هُوِيَّة وتماسُك تعيشها «إسرائيل» في هذه المرحلة من عمرها، والتَّحذيرات الصَّادرة من داخلها تكشف أنَّ القلق كبير ولو اختلفت التَّفسيرات. أمَّا توقيت التحوُّلات الكبرى فهو مرهون بتفاعلات سياسيَّة وأمنيَّة وديمغرافيَّة لا يُمكِن اختزالها في رقم أو نبوءة، لكن ما يقدِّمه أبطال الرباط في فلسطين من ملاحم يؤكِّد أنَّ نصر الله آتٍ لا محالة، والله غالب على أمْره، ونصره قريب، الله أكبر والعزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]