قَبل ساعات من مغادرة القاهرة أسعدني حظِّي أن أشاهد عرضًا على المسرح القومي بعنوان «يا أهل الأمانة» من إخراج المسرحي المصري المخضرم أحمد إسماعيل. لا أعرف إن كان يُمكِن أن يسمى مسرحيَّة مختلفة أم سهرة شعريَّة أم دراما غنائيَّة، أو رُبَّما كان العرض كُلَّ ذلك؟ العرض كُلُّه من أشعار الراحل المبدع الأصيل فؤاد حداد الَّذي يوصف بأنَّه «أبو الشعر العامِّي» في مصر. رُبَّما يعرف الناس فؤاد حداد من شعر «المسحَّراتي» الَّذي لحنَّه وأدَّاه الموسيقار الراحل سيِّد مكاوي ويذاع كُلَّ رمضان. لكنَّ مُحبِّي الشعر يعرفون فؤاد حداد من دواوين وقصائد لا تُحصى، تنوَّعت ما بَيْنَ المديح الدِّيني إلى السخرية السياسيَّة مرورًا بأشعار تناولت كُلَّ ما يَمسُّ الإنسان والوطن والعروبة. لا أريد أن يأخذني الحديث عن فؤاد حداد لأغلب هذه المساحة المحدودة، فهو شاعر يحتاج لمقالات طوال رُبَّما هناك من هو أقدر منِّي على كتابتها من ناقدي الشعر ومؤرِّخيه.
أمَّا العرض، فقد نجح معدُّه المتمكن من مزج أشعار مختلفة لفؤاد حداد، من الحضرة الذكيَّة إلى المسحَّراتي مرورًا بأشعار سخرية سياسيَّة مثل «الاستمارة راكبة الحمارة». واختار المخرج ثلاثة ممثلين من جيل المسرح العظيم في مصر يُمكِنهم إلقاء الشعر مع الأداء الدرامي المتمكن. ومعهما صوتان للغناء في منتهى الروعة. ونجح الموسيقي القدير محمد عزت في وضع ألحان لمقاطع شعر فؤاد حداد المغناة استقى ألحانها من التراث الموسيقي الشَّعبي المصري. وقام المخرج القدير المبدع بعمليَّة «تضفير» لكُلِّ تلك العناصر من شعر وأداء مسرحي وغناء وموسيقى في عرض يجعل المشاهد في حضرة الشعر كما هو في حضرة المسرح والدراما الأصيلة. ولم يكُنْ ذلك مستغربًا على أحمد إسماعيل، الَّذي يَقُود تجربة متفردة في المسرح في مصر تبزُّ أمثالها من تجارب أوروبيَّة، هي «مسرح القرية». لذا تضمَّن العرض مجموعة من الفتيان والفتيات الموهوبين حقًّا الَّذين يُتوقع لهم مستقبل واعد.
على المستوى الشخصي، كان الحضور إلى المسرح القومي فرصة لاستعادة ذكريات من زمن فات، ومن الصدف أنَّ مدير المسرح الحالي الدكتور أيمن الشيوي أعرفه منذ أيَّام الجامعة وقت كنتُ أفكر في ترك دراسة الطِّب ودخول أكاديميَّة الفنون معه وأصدقاء آخرين لأدرسَ النقد المسرحي والدرامي. استعدتُ تلك الأيَّام حين كانت الثقافة في مصر، وأغلب بلادنا العربيَّة، في عزِّها. وكانت المسارح وقتها منارة إبداع ثقافي رفيع إلى جانب المتعة والترفيه. كان هناك تلفزيون وسينما، لكن كان للمسرح دَوْره ومكانته. وكما يقال فإنَّ «المسرح أبو الفنون» وكان منصَّتها الرئيسة منذ قرون طويلة نافذة للشِّعر والدراما والفكاهة وكُلِّ أشكال الفنون (ففيه الموسيقى والغناء والديكور ـ فنّ تشكيلي ـ وغيرها). للمسرحي القدير الراحل يوسف وهبي جملة من إحدى مسرحيَّاته تقول «وما الدنيا إلَّا مسرح كبير». على غرارها تعامل المخرج أحمد إسماعيل مع المسرح منذ تخرجه من المعهد واستكمال دراسته العُليا في فرنسا في سبعينيَّات القرن الماضي.
بدأ أحمد تطبيق أفكاره وأطروحاته للدراسات العُليا عمليًّا من قريته في محافظة المنوفيَّة بدلتا مصر. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود الآن يَقُود تجربة «مسرح القرية» من شبرا بخوم. ومن تلك التجربة خرج ممثلون منهم مَن صار نجمًا مثل يوسف إسماعيل الَّذي شارك بطولة عرض «يا أهل الأمانة» مع النجم مفيد عاشور. الفكرة في مسرح القرية هي أن يجذب شباب القرية المهتم والموهوب للعمل الَّذي يديره المخرج ويدرِّب ويعلِّم مَن يرغب. صحيح أنَّه أحيانًا ما كان يشارك مع شباب القرية ممثلون محترفون من المدينة، لكن ذلك كان بغرض استفادة الممثلين في شبرا بخوم من الاحتكاك بتجارب مهنيين. ففكرة مسرح القرية كانت دومًا في تصوُّر أحمد إسماعيل، كما يوضح في كِتاب له صدر قَبل عامين عن تلك التجربة، هي أن ينتشر هذا النموذج في قُرى مصر الَّتي تزيد عن خمسة آلاف قرية. وأن تكُونَ المسرحيَّات فيه من تـأليف وإنتاج وتمثيل المواهب المحليَّة، وأن يتمَّ الاعتماد على كُلِّ المُكوِّنات المحليَّة من ديكور وإضاءة وغيرها من عناصر المسرح.
في ذلك الوقت من القرن الماضي كانت «الثقافة الجماهيريَّة» التابعة لوزارة الثقافة المصريَّة نشطة وتعتمد على «قصور الثقافة» المنتشرة في رُبوع مصر. وهذا ما شجَّع أحمد إسماعيل على الحلم بأن يكُونَ المسرح وسيلة تثقيف وتنوير وإفراز مواهب باستمرار ورفد صناعة التمثيل في مصر بمواهب متجدِّدة دومًا. رُبَّما لم يتمكنْ من نشر التجربة بالشكل الَّذي كان يأمله، لكنَّه على الأقل حافَظ على نقطة مضيئة هي مسرح القرية في شبرا بخوم بالمنوفيَّة. استعدتُ كُلَّ ذلك قَبل وبعد مشاهدة العرض الرائع في حضرة شعر العظيم الراحل فؤاد حداد. هذا الشاعر الَّذي حكى لي أحد رفاقه في المعتقل السياسي في الستينيَّات أنَّه «كان لدَيْه إسهال شعر». فلا غرابة أنَّه كان ملهمًا لشعراء عاميَّة عظام من صلاح جاهين إلى جمال بخيت. في النهاية، كانت تجربة تلك الليلة من ليالي شهر رمضان المبارك استعادة مكثَّفة لِما عرفته وعشناه نحن هذا الجيل من تسيُّد الثقافة الحقيقيَّة، وليس تسطيح مواقع التواصل ومن إبداع يُعلي من شأن الوطن والعروبة والقِيَم الإنسانيَّة الأصيلة.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري