الثلاثاء 03 مارس 2026 م - 13 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الرجال فـي القرآن الكريم «سماتهم وخصائصهم وأوصافهم» «3»

الثلاثاء - 03 مارس 2026 12:25 م

.. وصيغة (قوامون) هي صيغة مبالغة من كثرة القيام بحقوقهن، ومطالبهم، وليست موضوعة كما يذهب بعضهم للتنكيل بهن، وتذكيرهن بدور القوامة، وحياة الاستعباد، وإنما هي صيغة مبالغة من كثرة القيام بالحقوق، والواجبات التي وضعها الإسلام في رقبة الزوج مقابل درجة القوامة: (وللرجال عليهن درجة)، والخطأ الشائع استغلال كلمة (قوامون) للضرب، والتعذيب، والتنكيل، والاحتقار، والسب؛ بحجة أن الدين مكنه من القوامة التي تعني عنده السخرية، والتسخير، والاستعباد، ودون أن يعطيها حقوقها في الاحترام والتوفير والٱدمية، وهو فهم مغلوط، وفكر معوج، وثقافة عقيمة عند كثير من الأزواج في المجتمع الإسلامي، وكلهم مخطئون في فهمهم، ومنغلقون في عقلهم، وظالمون لدينهم. والخامس:(الطهارة، والنزاهة الظاهرة، والباطنة، المادية والمعنوية)، يقول الله تعالى:(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) (التوبة ـ 108)، فمن تلك الأوصاف، وهاتيك الخصائص والسمات في الرجولة القرٱنية هي حبهم للطهر والعفاف، المادي والمعنوي، فهم يتطهرون يوميًا بالماء، ويضعون الروائح والعطور، ومهتمون بأجسادهم، ويبتردون، ودائمًا روائحهم طيبة، وفي الوقت نفسه يبتعدون عن النجاسات المعنوية كالغيبة والنميمة، والعداوة، وإشعال الإحن، والفتن، والإيقاع بين الناس، وإحداث الخصومة بينهم، والتبييت لهم، والمكر بهم، وعدم التعاون معهم، وترك إعانتهم، والسعي في إفشالهم، وصب الاتهامات بهم، وعدم تمكينهم من العمل والإنتاج، والنفع لغيرهم، فالطهارة المقصودة هنا هي طهارة عامة تشمل المادي والمعنوي معًا، وتدفعهم إلى أن يكونوا في طهر الملائكة، وفي طهر الملأ الأعلى. ولعل الفعل يتطهروا بصيغته تلك يدل على اتساع التطهر، وتعدده ما بين اغتسال وابتراد، ومسوك، وملبس حسن، ومعطر، واهتمام بالمظهر والمخبر، ولعل اسم المفعول الذي أدغمت تاؤه في طائه، وظهرت طاء واحدة مشددة ما يعكس حجم التطهر، ومدى النظافة المطلوبة من كليهما:(الزوج والزوجة)، وكان ابن عباس عندما يرونه مهتما بملبسه ورائحته، وهيئته فيسألونه ما السبب، فيقول:(أحب أن أتزين لهن كما أحب أن يتزين لي)، والرسول يقول: (إن الله جميل يحب الجمال)، ويقول: (من كان له شعر فليكرمه) أي: يعتني به، ويمشطه، ويدهنه، ويجعله جميل المنظر، مهيب الطلعة، يبدي صاحبه في أبهى صورة، وأجمل هيئة، ومسيرة، بحيث يظهر جميل الشكل والروح، وجليل المظهر والمخبر، وهو مفهوم (المطهرين)، ومعنى (يتطهروا).

والسادس:(للدلالة على حالة المشي أو الحركة)، والمعنى هنا لا يرتبط بسمات الرجولة التي نبحث عنها، وإنما يعني الترجل، أي: السير على الرجل، دون الركوب، ولعل التعبير هنا يشير إلى أن تحمل المشي على الرجلين من سمات الرجال، وخصوصًا في المسافات البعيدة التي لا يتحملها إلا الرجال، فهم الذين يقوون على السير لمسافات وأماكن بعيدة تحتسب بالكيلومترات، لكن الحكم هنا عام في قضية السير بالطريقتين:(السير على الأرجل أو الأقدام، والركوب في وسائل الركوب، سواء أكانت على حيوانات، أم في سيارات، أم طائرات، أم قطارات، أم غيرها)، قال الله تعالى:(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) (البقرة ـ 239)، حيث تُفسر الآية (رجالاً) بمعنى المشاة، (ركبانًا) بمعنى الراكبين، كما في سياق صلاة الخوف، فالله تعالى هنا يقول:(فصلّوا مشاة على أرجلكم، أو ركبانًا على ظهور دوابكم)، وتنكير(رجالًا أو ركبانًا) يشمل جميع أنواع السير، وجميع أنواع الركوبات المعاصرة.

والسابع:(قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وينتظرون رحمة ربهم بين الجنة والنار): يقول الله تعالى: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌا وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (الأعراف ـ 46)، حيث تُشير الآية إلى أن الأعراف هو سورٌ أو جبل فاصل بين الجنة، والنار، وأن الرجال الذين يقفون عليه يعرفون كلا من أهل الجنة، وأهل النار بعلاماتهم الخاصة. وهؤلاء الرجال هم قوم استوت حسناتهم، وسيئاتهم، فلم يُكتب لهم دخول الجنة، ولم يكتب لهم دخول النار، فيبقون في هذا السور حتى يحكم الله فيهم، وبينهما حجاب: هذا الحجاب هو (الأعراف)، وهو السور الذي يفصل بين أهل الجنة، وأهل النار، وعلى هذه الأعراف رجال يعرفون كلاًّ بسيماهم، فالرجال هنا هم قوم تساوت حسناتهم، وسيئاتهم، فوقفوا على الأعراف، ويعرفون كلاًّ من أهل الجنة، وأهل النار من خلال علاماتهم التي تميزهم، فالرجال هو الماشون على الأرض، وغالبًا يكونون من الرجال، ذوي الهمم، والذين يكونون قد ألفوا السير، والتنقل، وأمسوا يمضون حيواتهم راجلين، وهو وصف أقرب إلى الرجال منه إلى النساء.

د. جمال عبد العزيز أحمد 

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]