ينتابنا في كثير من الأحيان سؤال كُلَّما تعاظمت الضَّلالات، وهو سؤال عميق إذ كيف لنا أن نرى النور وسط الظلام لِنكملَ مشوار الحياة؟ ولأنَّ الظلام الَّذي نقصده ليس غياب الضوء، بل ثقل الأحداث وضغط الواقع، وكوارث تنبئ بالفناء، فيما أنَّ رؤية النور وسط الظلام تكشف مصدر ضوء خارجي أو داخلي يَقُودنا للأمام، كما جاء في سورة الشرح «فإنَّ مع العسر يُسرًا». وترجمةً لهذا المعنى الحرفي الَّذي نعيشه نجد أنَّ دبلوماسيَّة سلطنة عُمان هي النور أو الضوء الَّذي يُعِيدُ إلينا الأمل بزوال الظلام، بعد أن أصبحتْ نموذجًا بارزًا في المنطقة لاعتمادها نهجًا فريدًا وثابتًا قائمًا على الحياد الإيجابي، وعدم التدخُّل، وبناء الجسور بَيْنَ الخصوم، ممَّا أكسبها احترامًا واسعًا إقليميًّا ودوليًّا.
منذ عهد السُّلطان الرَّاحل قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ، تبنَّت سلطنة عُمان سياسة خارجيَّة متوازنة، فحافظتْ على علاقات طيِّبة مع أطراف متخاصمة في المنطقة، مِثل إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة في آنٍ واحد، كما أدَّتْ دَوْرا مهمًّا في الوساطات الهادئة بَيْنَ الولايات المُتَّحدة وإيران، والَّتي مهَّدتْ للاتفاق النووي (5+1) عام 2015، وتواصَلَ هذا النهج في عهد النهضة المُتجدِّدة الَّتي وضع أساسها ومنهجها جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ، حيثُ أكَّدت السَّلطنة استمرارها في دعم الحلول السلميَّة والحوار، خصوصًا في أزمات مثل الأزمة اليمنيَّة، مع التركيز على العمل الدبلوماسي بعيدًا عن الاستقطاب الإعلامي، هذا الأسلوب القائم على الحكمة والهدوء وعدم التصعيد جعل سلطنة عُمان تُعرَف بأنَّها «صوت العقل» في المنطقة، ورسَّخ صورتها كدَولة تسعى للاستقرار والسَّلام، وهو ما أكسبها احترامًا وثقة من أطراف متباينة دوليًّا وإقليميًّا.
السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة ترتكز بشكلٍ أساس على مبدأ الحياد الإيجابي الَّذي يعني عدم الانحياز لأيِّ طرف في النزاعات، مع الحفاظ على علاقات وديَّة ومتوازنة مع الجميع. هذا النهج يسمح لسلطنة عُمان بأن تكُونَ جسرًا بَيْنَ أطراف متخاصمة بدلًا من أن تكُونَ طرفًا في الخلاف نفْسه، واحترام السِّيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للدول الأخرى. هذا المبدأ يُعزِّز ثقة الآخرين بالسَّلطنة كوسيط موثوق، البراغماتيَّة (الواقعيَّة) في اتِّخاذ القرار الَّتي تُبنى على مصلحة وطنيَّة وآليَّات عمليَّة؛ هدفها الاستقرار والحفاظ على المصالح الجيواستراتيجيَّة العُمانيَّة، وتطوير علاقات جيِّدة مع الجيران والدول الكبرى على حدٍّ سواء، سواء كانت دول الخليج، إيران، أو القوى العالميَّة، بحيثُ تظلُّ قنوات الاتِّصال مفتوحة دائمًا، وحلّ النزاعات عَبْرَ القانون الدولي وميثاق الأُمم المُتَّحدة، ودعم السَّلام العادل.
تتحدث الأمثلة التاريخيَّة الَّتي كانت دبلوماسيَّة سلطنة عُمان هي طريق النور لحلِّ الأزمات بها والَّتي كان أبرزها الوساطة في المفاوضات حَوْلَ البرنامج النووي الإيراني بَيْنَ إيران والقوى الكبرى، بما فيها الولايات المُتَّحدة والدول الأوروبيَّة حيثُ استضافت سلطنة عُمان جولات سريَّة ومباشرة من المحادثات الَّتي مهَّدتْ لاحقًا إلى ما سُمِّي بالاتِّفاق النووي في فيينا 2015، والَّتي لاقت ثناء كبيرًا من كافَّة الأطراف، إعادة فتح قنوات التواصل بَيْنَ السعوديَّة وإيران في مناسبات عدَّة، خصوصًا في 1991 وعام 2023، حيثُ سهَّلت بيئة حوار أو نقل رسائل بَيْنَ الجانبَيْنِ، التوسُّط في الأزمة اليمنيَّة حيثُ حافظت سلطنة عُمان على علاقات مفتوحة مع مختلف الأطراف بما فيها جماعة أنصار الله والحكومة اليمنيَّة والولايات المُتَّحدة، دُونَ أن تنضمَّ لأيِّ تحالف عسكري، في 2023-2025 ساعدت في تسهيل محادثات وقف إطلاق النار بَيْنَ أنصار الله والولايات المُتَّحدة حَوْلَ مضيق باب المندب ومسارات أساسيَّة للشحن البحري، المحافظة على قنوات تواصل مشجِّعة بَيْنَ الفلسطينيين و«الإسرائيليين» خلال فترات تفاوض متعدِّد السنوات، وشجَّعوا الدبلوماسيَّة كحلٍّ بعيدًا عن العنف. كُلُّ هذه المعطيات جعلتِ الدبلوماسيَّة العُمانيَّة ليست مجرَّد سياسة خارجيَّة، بل استراتيجيَّة متكاملة مبنيَّة على الاحترام الدّولي، وثقة الأطراف المتنازعة لاتِّخاذها النهج المحايد والهادئ ممَّا جعلها طريقًا للنور يزيح الظلام كمنبر للتواصل؛ لِمَا تملكه من جسور الثقة والاحترام مع جميع الأطراف دُونَ سعي للظهور الإعلامي أو التأييد السياسي، بل لطالما فضَّلت النتائج العمليَّة والهادئة الَّتي تؤدِّي إلى تقليل التوتُّر مع الالتزام بالقانون الدّولي، عاشتْ سلطنة عُمان بحكمة قائدها جلالة السُّلطان المُعظَّم راعي نهضتها المتجدِّدة، وراعي سياستها الخارجيَّة نموذج المَحبَّة والسَّلام.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»