الثلاثاء 03 مارس 2026 م - 13 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : معادلة السيادة والثقة وصناعة المستقبل

الثلاثاء - 03 مارس 2026 03:15 م

رأي الوطن


يشهد العالم تحوُّلًا عميقًا في موازين القوَّة، حيثُ أصبحت الخوارزميَّات والبيانات والقدرة على توظيف الذَّكاء الاصطناعي عناصر حاسمة في رسم خرائط التأثير الاقتصادي والسياسي.. ومن هذا المُنطلَق يكتسب تقرير منظَّمة الأُمم المُتَّحدة للتربية والعِلم والثقافة بشأن تقييم جاهزيَّة سلطنة عُمان لتوسيع نطاق حوكمة الذَّكاء الاصطناعي الأخلاقيَّة دلالةً تتجاوز كونه وثيقة فنيَّة، فهو يعكس تموضعًا استراتيجيًّا في قلب الاقتصاد الرَّقمي العالمي. وعليه، فإنَّ اختيار سلطنة عُمان ضِمن تجربة نظام إدارة الذَّكاء الاصطناعي، واعتماد نتائج التقييم كمرجعيَّة وطنيَّة، يُشيران إلى وعي مبكر بأنَّ المستقبل لا ينتظر المتردِّدين، وأنَّ مَن لا يضع إطارًا يحكم التقنيَّة سيجد نفْسه محكومًا بها؛ ذلك أنَّ الذَّكاء الاصطناعي أصبح ركيزة لإدارة الموارد، وتحسين الخدمات، ودعم القرار، ورفع كفاءة الإنتاج في مختلف القِطاعات، من الصحَّة والتعليم إلى الصناعة والطاقة. لذا فإنَّ الحديث عن الحوكمة الأخلاقيَّة للذَّكاء الاصطناعي ليس نقاشًا نظريًّا، وإنَّما هو إعلان بأنَّ السِّيادة في عصرنا لم تَعُدْ تقاس فقط بحدود الجغرافيا، وإنَّما بقدرة الدَّولة على صياغة قواعدها في الفضاء الرَّقمي، وضمان أنْ تبقى التقنيَّة في خدمة الإنسان والمُجتمع ضِمن رؤية تنمويَّة واضحة.

وينتقل النقاش من سؤال السِّيادة إلى سؤال الثقة؛ فالتقنيَّة مهما بلغتْ دقَّتها تبقى عرضةً للانحراف إذا غاب عنها الإطار الأخلاقي والقانوني الضَّابط. ومن هنا تتجلَّى أهميَّة ما أشار إليه تقرير منظَّمة الأُمم المُتَّحدة للتربية والعِلم والثقافة من ضرورة إقرار تقييمات إلزاميَّة للأثَر الأخلاقي والاجتماعي لأنظمة الذَّكاء الاصطناعي، وتطوير إطار قانوني يُحدِّد المسؤوليَّة عن الأضرار المحتملة، وتنظيم تقنيَّات التزييف العميق، وتعزيز حوكمة البيانات. فالنُّمو الرَّقمي السَّريع دُونَ قواعد واضحة قد يخلق فجوة ثقة بَيْنَ المُجتمع والمؤسَّسات، ويعرِّض الأفراد لمخاطر تَمسُّ الخصوصيَّة والحقوق. وفي المقابل فإنَّ وجود سياسة عامَّة للاستخدام الآمِن والأخلاقي مدعومةً بقانون حماية البيانات الشخصيَّة، يُعزِّز بيئة استثماريَّة مستقرَّة، ويمنح المستخدمين شعورًا بالأمان، ويؤسِّس لاقتصاد رقمي قائم على الموثوقيَّة لا المغامرة. كما أنَّ الحوكمة الأخلاقيَّة ضمان لاستدامة الابتكار، فهي تمنع الانزلاق نَحْوَ توظيف غير مسؤول للتقنيَّات، وتؤكِّد أنَّ التقدُّم التقني يَجِبُ أنْ يظلَّ مرتبطًا بقِيَم المُجتمع وحقوق أفراده؛ حتَّى لا تتحوَّلَ الخوارزميَّات إلى قوَّة منفصلة عن الإنسان الَّذي صمَّمها.

إنَّ بناء منظومة وطنيَّة متكاملة للذَّكاء الاصطناعي يتجاوز حدود التنظيم والتشريع؛ لِيصلَ إلى جوهر صناعة المعرفة نفْسها، حيثُ يصبح الاستثمار في البحث العلمي، وبرامج الزمالات المتخصِّصة، وتوسيع الدِّراسات العُليا ركيزةً أساسيَّة لتحويل الطموح الرَّقمي إلى واقع إنتاجي ملموس، ويبرز تطوير النموذج اللُّغوي العُماني الكبير «مُعِين» بوصفه خطوةً استراتيجيَّة تعكس إدراكًا بأنَّ التقنيَّة حين تُنتَج محليًّا تكُونُ أكثر قدرةً على فَهْمِ الخصوصيَّة الثقافيَّة واللُّغويَّة، وأكثر انسجامًا مع احتياجات المُجتمع، كما أنَّ إطلاق تحالف الذَّكاء الاصطناعي الأخضر يُعزِّز البُعد المستدام للتقنيَّات الرقميَّة، ويؤكِّد أنَّ التقدُّم التقني ينبغي أنْ يَسِيرَ في مسار متوازن مع كفاءة الطاقة وحماية البيئة؛ لذلك فإنَّ ربط الجامعات بالقِطاع الصناعي، وإنشاء مراكز ابتكار قادرة على تحويل الأفكار إلى تطبيقات يُمثِّلان حلقة الوصل بَيْنَ الرُّؤية والتَّنفيذ، ويضمنان أنْ يتحوَّلَ الذَّكاء الاصطناعي من مفهوم نظري إلى قوَّة إنتاجيَّة تُسهم في تنويع الاقتصاد وخلْق وظائف نوعيَّة وتعزيز تنافسيَّة السَّلطنة في الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة.

وتتبلور المرحلة المقبلة في معادلة التَّنفيذ وسرعة التحرُّك، فالتَّقارير والتوصيات تضع الإطار، غير أنَّ القِيمة الحقيقيَّة تُقاس بقدرة المؤسَّسات على تحويل هذه المرجعيَّات إلى مؤشِّرات أداء واضحة، وبرامج زمنيَّة مُحدَّدة، وتمويل بحثي مستدام يدفع عجلة الابتكار إلى الأمام، وتمنح جاهزيَّة البنية التشريعيَّة والمؤسَّسيَّة سلطنة عُمان نقطة انطلاق متقدِّمة، إلَّا أنَّ السِّباق العالمي في الذَّكاء الاصطناعي يتسارع بوتيرة تفرض استجابةً مَرِنة وسريعة، تستثمر في الكفاءات الوطنيَّة، وتوسِّع نطاق الشَّراكات الدوليَّة، وتُعزِّز مشاركة القِطاع الخاصِّ في تطوير الحلول التطبيقيَّة. ويظلُّ الرِّهان الأكبر في أنْ يتحوَّلَ الذَّكاء الاصطناعي إلى رافعة حقيقيَّة لرفع الإنتاجيَّة، وتحسين جودة الخدمات، وإيجاد قِطاعات اقتصاديَّة جديدة قائمة على المعرفة، بحيثُ يُصبح أثَره ملموسًا في حياة الأفراد وفي تنافسيَّة الاقتصاد الوطني. وعِندَ هذه النقطة يتحدَّد المسار بوضوح، فإمَّا أنْ تترسخَ مكانة السَّلطنة نموذجًا إقليميًّا في الحوكمة الأخلاقيَّة والابتكار المسؤول، أو تظلَّ الإمكانات الواعدة في حدود التصوُّرات النظريَّة دُونَ أنْ تبلغَ سقف طموحاتها التنمويَّة.