التسبيح هو النبع والزاد إلى الآخرة الخالدة.. إنه دوحة غناء يشارك فيه كل مخلوق في هذا الكون الفسيح.. ففي التسبيح تغفر الخطايا والذنوب وتتضاعف الأجور والحسنات ورفع الدرجات.. والتسبيح بلسم المؤمن وأحب الأذكار إلى الرحمان الرحيم، وبالتسبيح توقير وتعظيم للخالق ـ جلّت قدرته ـ وتنزيه الله عزوجل عن كل نقص أنه تاج المؤمن في كل الأوقات، وحبا لله لكل المخلوقات.. اختاره الله وسيلة تسبيح لتشارك الإنسان في هذا الكنز العظيم، وعند الأزمات والاتجاهات المتغيرة في هذه الحياة، ليكون راحة وفعالية سريعة لحياة النفس بسكينة واطمئنان، قال الله تعالى:(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) (الحجر ـ 98)، فبالتسبيح تعتمر القلوب وتنقاد سائر الجوارح بالتعظيم والخشوع، وسائر الكائنات تشارك في هذا التسبيح (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء 19 ـ 20).
إن التسبيح الرفيق الذي يصاحب المسلم أينما كان هو الحياة الروحية المطمئنة، والتسبيح في الخلوات له مذاق خاص يلهمه إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهو ينبض في جسم الإنسان لتخشع الجوارح حياة جديدة، كما وجه سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يذكر الله كمثل الحي والميت بالتسبيح اقرارًا بالتقصير مهما عبدنا وأطاعنا الله، وبالتسبيح الثناء والشكر لله، وفي نهاية كل عمل يقربنا إلى الرحمن الرحيم يكون التسبيح خاتمته وكلما أديت وتحقق إنجازاك فسبّح وكبّر واستغفر واحمد الله، يقول تعالى:(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر ـ 3).
التسبيح ميثاق تبنى به القلوب يربطنا بربنا ـ جلّت قدرته ـ ويشع في حياتنا أنوار الرحمة وليكن تسبيحنا جسرًا إلى رضا الله ومحبته، والتسبيح هو الحمد والشكر والثناء المطلق تعظيمًا لله واعترافًا بفضله وقدرته، كما جاء في قوله تعالى:(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الصفات ـ 180)، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الأحزاب 41 ـ 42)، والتسبيح عبادة مباركة ليس لها مكان ولا زمان فهي عبادة مفتوحة مدى العمر، فالله ينادينا إلى الذكر الكثير وخاصة التسبيح بكرةً وأصيلًا، والمرسلين والانبياء اتخذوا من التسبيح عبادة عظيمة لما هذه العبادة من فضل مبارك به تشرق أنوار التسبيح في حياتنا في الدنيا والآخرة، وسيدنا موسى ـ عليه السلام ـ واجه مشقة عظيمة في مهمة دعوية لما أرسل الله تعالى موسى ـ عليه السلام ـ إلى فرعون، كان سلاحه وشعاره هو كثرة التسبيح؛ كما قال تعالى:(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) (طه 25 ـ 34).
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني