الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الرجال فـي القرآن الكريم «سماتهم وخصائصهم وأوصافهم» «2»

الاثنين - 02 مارس 2026 12:07 م


.. وهنا وصفه القرٱن بأنه مؤمن، وأنه من ٱل فرعون إما أنه من أقاربهم، وإما أنه مؤمن بالله، ولا يعرف فرعون عنه ذلك، فلا معنى لألوهية أحد لا يعرف كثيرًا عن عباده، وإيمانهم، وإما إنه يكتم إيمانه عنهم؛ حتى لا يصاب بأذى منهم، فهو رجل موهوب، ويعرف مهمته، ويتقن رسالته، وينهض لوظيفته في الدفاع عن الحق وأهله حتى في أعتى بيوت الشر، والانتقام، والتأله، والظلم، لكنه تعالى بإيمانه على كل ما أحاط به، وجميع من حوله، وخرج قويًّا بإيمانه، وأنقذ نفسًا من القتل والهلاك، وظل ينافح، ويناور حتى صرفهم عن للظلم، وقتل موسى ـ عليه السلام ـ فقد وقف أمام البغي، وأوقف الظلم، ووقف مع الحق ضد أعتى قوى البغي، وأشدهم بطشًا، ولم يبال بقوتهم.

والثاني:(الصدق والوفاء مع الله)، قال تعالى:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب ـ 23)، وهنا برز وصف إيماني ٱخر كبير، وهو معاهدتهم ربهم على الموت في سبيله، وفي سبيل نشر دينه، والثبات حتى الممات، سواء قضى الرجل منهم نحبه، فمات في سبيل ربه، أم بقي صامدًا، مدافعًا، واضعًا روحه على كفه؛ ابتغاء مرضاة ربه، منتظرًا نوال شرف الجهاد، ونعمة الاستشهاد.

والثالث:(التفاني في العبادة وتواصل الطاعة)، وصفهم الله بأنهم:(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور ـ 37)، هنا نجده وصفًا ثابتًا لهم بأنهم عباد لله، ثابتون على طاعته، لا تلهيهم تجارات حاصرة الربح، ولا بيوع مؤكدة العاقبة، لا تلهيهم الدنيا ولا التجارات عن أهم ما خلقوا له، وعاشوا من أجله، وهو ذكر الله، وتواصل الصلاة، وإقامتها كما أرادها الله، وإيتاء الزكاة إلى مستحقيها، وأنهم يعملون لليوم الٱخر ومنازله ألف حساب، فهو يوم جليل مهيب رعيب، تتقلب فيه القلوب والأبصار، كناية عن شدته، وخطورة منازله، وأحداثه ووقائعه، وخوفهم منه ثابت مستقر متواصل، يؤكد ذلك مجيء الفعل مضارعًا، مفيدًا للاستمرار، فهو دأبهم؛ ثم نهضوا لحقه، وقدّروا قدسيته، وعرفوا حرمته، ومهابته، فهم يخافون نفسه، وإذا كانوا يخافون اليوم نفسه، فهم أشد خوفًا من أحداثه، ومنازله؛ ولذلك فإعراب كلمة (يومًا) هو أنها مفعول الفعل:(يخافون)، وليس (يومًا) ظرف زمان، وإلا لكانوا قد اجترأوا على اليوم، وبدأوا يتكلمون عن أحداثه، لكنهم يخافون منه نفسه، ناهيك عن ارتعابهم بمنازله، وأحداثه التي تجعل قلوبهم ذائبة من الخوف، وأفئدتهم متفتتة من الهلع الأكيد، والوجل الشديد، والخوف الشديد.

وكلمة (يومًا) منكرة للتعظيم، وإنزال المهابة في قلوب المؤمنين، ويجزم بمدى خوفهم منه، الأمر الذي أوجب صحوهم، وتواصل عبادتهم؛ جراء خوفهم المتتابع من اليوم الٱخر، وكل ما فيه من أحداث جسام، ووقائع عظام قد يستغرق هذا اليوم خمسين ألف سنة يحيا في دنياه على بصيرة منها، وبيان، ونور، وعبادة، وحذر، وإيمان.

والرابع:(تحمل المسؤولية والنهوض بها)، يقول الله تعالى:(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء ـ 34)، فهو يصفهم هنا بالمسؤولية، والقيام على شؤون أزواجهم وبيوتهم، وقد فضلهم الله على نسائهم بالقوامة، وبسبب إنفاقهم عليهن من حر أموالهم، وتعب أجسادهم، وسعيهم في ستر أسرهم، والنهوض بمطالب أولادهم، وعدم تعريضهم للسؤال، ومد اليد، أو الخروج للعمل، ومزاحمة الرجال في الأسواق، وإنما حفظ عليهن حياءهن، وتعرضهن لذئاب الرجال، وضعاف بعضهم، فطلب إلى الرجال أن يأخذوا عجلة القيادة، ويمضوا بسيرة حسنة، مع أسرهم، ويقومون في كل حال بتلبية مطالبهم، والسعي لإعاشتهم في أجواء طيبة، وعيشة كريمة تحفظ عليهن عفتهن، وحياءهن، وهدوءهن.

د. جمال عبد العزيز أحمد 

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]