في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الظروف والمتغيرات وتختلط فيه الأوراق السياسيَّة بالاقتصاديَّة والحقائق بالآراء، لم يَعُدِ الحضور في الفضاء الرَّقمي خيارًا مزاجيًّا، بل واقعًا يفرض نفسه على الأفراد والمُجتمعات والدول. ومن هنا يبرز السؤال الَّذي يلامس جوهر التحوُّل الراهن: أين تقف الشخصيَّة العُمانيَّة في خضم هذا العالم الرَّقمي المتدفق؟ وكيف يُمكِنها أن تحافظ على خصوصيَّتها وهُوِيَّتها دون أن تنسحب من المشهد أو تنصهر فيه أو تتآكل تحت ضغطه المتواصل؟
إنَّ استقراء كُلِّ الأحداث التاريخيَّة والسياسيَّة والتنمويَّة العُمانيَّة في مختلف مراحل التطور العُماني يعكس ملامح لهذه الشخصيَّة وشواهد في عملها وإنجازاتها على مختلف الأصعدة، وبالتَّالي لم يَعُدْ طرح الشخصيَّة العُمانيَّة في هذا السياق الرَّقمي منفصلًا عن الهُوِيَّة والخصوصيَّة العُمانيَّة، بل إنَّ الهُوِيَّة ذاتها هي مرحلة التوازن والتكافؤ في الموازين بَيْنَ شخصيَّة المواطن ومنهجيَّة الدَّولة وحكمتها السياسيَّة وإدارتها لقضايا الوطن والمواطن واستيعابها لكُلِّ الأحداث والمتغيرات بالشكل الَّذي يصنع لنهجها التفرد والخصوصيَّة، وهي هُوِيَّة التزمت التوازن وانتهجت بدائل وسيناريوهات مستفيدة من الواقع والأحداث العالميَّة في صياغة نموذج عُماني يُعَبِّر عن الخصوصيَّة العُمانيَّة وهُوِيَّة هذا الإنسان ويترجمها في نماذج مضيئة في مختلف المواقف الحياتيَّة، وبالتَّالي لا ينبغي أن تقرأ هذه الحقيقة باعتبارها استدعاءً عاطفيًّا للماضي، ولا خطابًا دفاعيًّا يخشى التغيير، بل في كونه قراءة واعية لمرتكزات هذه الشخصيَّة، ومحاولة لاستشراف مسارات توازنها في زمن التقنيَّة المفتوحة، وخصوصًا في منصَّات عالية التأثير مثل (X) الَّتي أصبحت ساحة للنقاش العام، وصناعة الرأي، وبناء الصورة، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
لقد تشكلت الشخصيَّة العُمانيَّة عَبْرَ تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، والانفتاح البحري، والتعايش المذهبي، والاعتدال السياسي، فكانت هُوِيَّة متوازنة بَيْنَ الثبات والتجدُّد، وبَيْنَ الخصوصيَّة والانفتاح. لم تكُنْ هذه الهُوِيَّة يومًا انغلاقًا على الذَّات، بل كانت وعيًا بالذَّات في إطار عالمي، وقدرة على استيعاب المتغير دون التنازل عن الثابت. ومن هنا فإنَّ التحدِّي الرَّقمي لا يكمن في التقنيَّة ذاتها، بل في كيفيَّة توظيفها، وفي درجة الوعي المصاحبة لاستخدامها، وفي مقدار التوازن الَّذي يحكم علاقة الفرد العُماني بهذا الفضاء المتسع. فالعالم الرَّقمي، بقدر ما يمنح فرص التعبير والتأثير، يفتح كذلك أبواب الذوبان في أنماط فكريَّة وسلوكيَّة لا تنسجم بالضرورة مع الخصوصيَّة الثقافيَّة، فالبحث عن الشهرة والضجيج والأحكام السريعة وسرعة التأثر بالآخر، والردود الانفعاليَّة، وحالة السبب والشتم والتنمُّر والتحريض والكراهية الَّتي باتتْ تَسُود هذه المنصَّات الرقميَّة، وحملات التشهير، والإشاعة، أو الانجرار خلف حسابات تسعى لإثارة الفتنة، وهي كُلُّها ممارسات غير منضبطة وسلوكيَّات مستهجنة تتعارض مع ما عُرف عن الشخصيَّة العُمانيَّة من الهدوء، والحكمة، والاتزان، والاعتدال الفكري، والاستحضار القِيَمي في إدارة المواقف والتفاعل مع المستجدَّات.
ولمَّا كانت المحافظة على الخصوصيَّة لا تعني التقوقع والانعزال، كما أنَّ الانفتاح المسؤول والمقنن لا يعني الانصهار، بل تبادل المنافع وتعظيم المشتركات فإنَّ معادلة القوَّة تتشكل في إطار التوازن بَيْنَ هذه المسارات، وهو أمر ارتبط بالشخصيَّة العُمانيَّة منذ قرون طويلة، جمعت بَيْنَ الأصالة والمعاصرة والمتغير والثابت، وهو أمر يضع الشخصيَّة العُمانيَّة في ظل معطيات العالم الرَّقمي أمام إعادة تشكُّل العقل الاستراتيجي والوعي الجمعي في استدامة قَبول الاختلاف والتكامل والتعايش مع الحفاظ على الموقع الحيوي للشخصيَّة العُمانيَّة لــ»تظل رسالة عُمان للسلام تجوب العالم، حاملة إرثًا عظيمًا، وغاياتٍ سامية، تبني ولا تهدم، وتقرب ولا تباعد» فالشخصيَّة العُمانيَّة مطالبة اليوم بأن تكُونَ حاضرة في المنصَّات الرَّقميَّة حضورًا فاعلًا، لكنَّها في الوقت ذاته مطالبة بأن تضبط هذا الحضور بمنظومة قِيَميَّة وأخلاقيَّة واضحة، تستنطق فيها الخصوصيَّة والسَّمْت العُماني، وتستحضر فيها مسؤوليَّة الكلمة، وأثر الصورة، وبناء الرأي. ففي منصَّة مثل ( (X، حيثُ تُختزل الأفكار في عبارات قصيرة، وتُقاس التأثيرات بعدد التفاعلات، يصبح الانجرار وراء الإثارة والشهرة والحصول على «الترند» أسهل من الالتزام بالضوابط واستشعار عظمة الكلمة وصدق. وهنا تتجلى الحاجة إلى وعي مضاعف في ظل الأحداث الحاليَّة بالمنطقة، وتجنُّب الخوض في نقاشات لا تنسجم مع نهج سلطنة عُمان القائم على الحوار والسلام، بحيثُ يجعل من كُلِّ تغريدة أو إعادة نشرها مساحة تمثيل للذَّات، وخيوطًا ممتدَّة ترتبط بالهُوِيَّة، قَبل أن تكُونَ مجرَّد رأي شخصي، ويجعل من كُلِّ تفاعل مسؤوليَّة أخلاقيَّة قَبل أن يكُونَ مشاركة وقتيَّة.
إنَّ تحقيق التوازن في استخدام التقنيَّة يبدأ من إدراك حقيقة الهُوِيَّة العُمانيَّة وما حملته من ينابيع القِيَم ومسؤوليَّة الكلمة وقِيمة الرأي وضوابط السلوك، سلوك يُمارس ونهج يتحقق وإطار يستحضر، فالهُوِيَّة العُمانيَّة الَّتي قامت على الاعتراف بالآخر، واحترام التعدديَّة، والبحث عن المشتركات، يُمكِن أن تتحول في الفضاء الرَّقمي إلى نموذج للحوار البنّاء، والنقاش الهادئ، والاختلاف الراقي، دون تجريح أو تشهير أو اندفاع، لِتمثِّلَ اختبارًا حقيقيًّا لعُمق الهُوِيَّة العُمانيَّة؛ كونها تعني حضور الرأي الرشيد والحكمة الناصعة في إطار من المسؤوليَّة، والتفاعل مع القضايا المطروحة بعقلانيَّة ووعي وبدون إثارة أو تأجيج أو شخصنة.
إنَّ منطق العمل في إدارة هذه الأحداث يرتبط بتعظيم قِيمة المشتركات الوطنيَّة العُمانيَّة وتأكيد حضورها كممارسة وطنيَّة ومواطنيَّة في كُلِّ المحافل والمواقع والمسؤوليَّات، والالتزام بها كخطوط تأثير وروابط وطنيَّة تعكس قدرة هذه الشخصيَّة على فتح نوافذ الأمل وبناء جسور العطاء، إذ من شأن تقوية هذه المشتركات والبناء عليها والالتزام بها والعمل على توعية المُجتمع بها وفرض واقع جديد لها بشكل يجنّبها عن منطق التجريب الشخصي أو الممارسة الشخصيَّة، سوف يضْمن استدامتها وتأثيرها وقدرتها على بناء محطَّات إنجاز أقوى، ويصبح الحضور الواعي خيار قوَّة في صناعة التوازنات؛ لأنَّه يتيح تقديم سرديَّة وطنيَّة أصيلة، ويُعزِّز من إبراز النماذج الإيجابيَّة، ويُظهر قدرة الشخصيَّة العُمانيَّة على مواكبة العصر دون التفريط في جذورها.
عليه، فإنَّ التوازن الحقيقي يتحقق عندما تكُونُ المنصَّة الرقميَّة أداة لتعزيز الهُوِيَّة، ويتحول المحتوى إلى وسيلة لترسيخ القِيَم، فإنَّ عدم اعتراف العالم الرَقمي بالحدود الجغرافيَّة، وما يُكتب في لحظة قد يُقرأ في سياقات متعدِّدة، ويُفهم بطُرق مختلفة، يستدعي المزيد من الوعي بالسياق والحكمة في تقدير الظرف؛ كونها مرتكزات مهمَّة في الخروج من الفهم الضيِّق والتفسير النمطي. فمع أنَّ التعبير عن الرأي حق مكفول بنص القانون إلَّا أنَّ ممارسته في فضاء مفتوح تستدعي إدراكًا أعمق بحجم التأثير، وبالفرق بَيْنَ النقد البنَّاء الَّذي يسعى للإصلاح، وبَيْنَ الطرح الانفعالي الَّذي يكرِّس لُغة الخلاف، لذلك كان التوازن المنشود يستدعي بناء ثقافة رقميَّة واعية ومدركة لكُلِّ هذه التأويلات، تبدأ من الأُسرة، وتتعمق في المدرسة، وتتسع في الجامعة، وتتعزز عَبْرَ الإعلام والمؤسَّسات المختلفة، وعَبْرَ تعزيز أدوات التفكير النقدي، ومهارات التمييز بَيْنَ الحقيقة والإشاعة، وبَيْنَ المعلومة الموثوقة والتكهنات، وبَيْنَ النقاش الهادف والاستفزاز المقصود.
إنَّ الشخصيَّة العُمانيَّة، بما تحمله من رصيد حضاري وأخلاقي، قادرة على تحويل منصَّة(X) وغيرها من المنصَّات إلى فضاءات لتعزيز القِيَم الوطنيَّة، وإبراز قصص النجاح، ومناقشة التحدِّيات بروح المسؤوليَّة، ويُمكِن لهذا الحضور أن يسهم في بناء صورة متوازنة عن المُجتمع، تعكس تنوعه وثراؤه الفكري والقِيَمي، وتبقى المحافظة على الخصوصيَّة مدخلًا للانتقاء الواعي والاختيار الصحيح والتمحيص الدقيق لما يتداول ويُنشر عَبْرَ هذه المنصَّات، بما ينسجم مع القِيَم الوطنيَّة ويوجّه هذه المنصَّات نَحْوَ التسويق للقِيَم الوطنيَّة وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، فالتقنيَّة تقدِّم فرصًا سانحة للتعلم، والتواصل، وريادة الأعمال، وصناعة المحتوى الثقافي والمعرفي، ويُمكِن للشخصيَّة العُمانيَّة أن تستثمر هذه الفرص لتعزيز حضورها العالمي، وإبراز إسهاماتها في مختلف المجالات ممارسة يوميَّة واعية، تجعل من التقنيَّة وسيلة لتعميق الهُوِيَّة، وإعادة التسويق القِيَمي. وإذا كانت الشخصيَّة العُمانيَّة قد نجحت عَبْرَ التاريخ في إدارة علاقاتها مع العالم بقدر كبير من الحكمة والاتزان، فإنَّها اليوم في ظل تراكم الأحداث وتصاعد الأزمات مدعوَّة إلى ترجمة هذه الحكمة في سلوكها الرَّقمي، لتبقى محافِظةً على خصوصيَّتها، رافضةً للانسلاخ أو الانصهار، قادرةً على التفاعل والانفتاح دون أن تفقد ملامحها وخصوصيَّتها.
د.رجب بن علي العويسي