في هذه الأيَّام باتَ الناس يتساءلون عن العمر، وكيف تتمُّ إطالته ـ إن صحَّ لي التعبير ـ فيسألني شخص ما بقوله: هل صحيح أنَّه بإمكاننا إبطاء الشيخوخة الآن؟ قرأتُ أنَّ العلماء قادرون على عكس العمر البيولوجي. إذا بدأت مبكرًا، فهل يُمكِنني أن أعيش لفترة أطول؟ واستغربتُ بأنَّ ذلك القرد لم يسأل الأمر باستخفاف، حيثُ كان في صوته أمل ممزوج بالخوف. وكأنَّه أراد المزيد من الوقت، ورُبَّما المزيد من السنوات لِيرَى أبناءه يستقرون والمزيد من القوَّة ليسافر! ولعلِّي في تلك اللحظة، تذكرتُ أنَّ الحديث عن طول العمر لم يَعُدْ مجرَّد حديث علمي، بل أصبح حديثًا شخصيًّا!
وعليه وخلال السنوات القليلة الماضية، لاحظنا تغيُّر مفهوم الشيخوخة جذريًّا. فلم يَعُدْ يُنظر إليها كمرحلة طبيعيَّة من مراحل الحياة، بل كمُشْكلة يَجِبُ حلُّها. ولو تبحث ستلاحظ أنَّ هنالك إعلانات تتحدث عن إعادة ضبط خلاياك ـ على سبيل المثال ـ بل وعيادات تقدّم حقن الخلايا الجذعيَّة، ومعزّزاتها! وما إلى ذلك من اختبارات متقدِّمة للعمر البيولوجي. وهنا ستلاحظ معي أيضًا كيف أنَّ بعض المؤثِّرين على وسائل التواصل الاجتماعي يتابعون مؤشِّراتهم الحيويَّة بنفس الطريقة الَّتي يتتبع بها الرياضيون نتائج أدائهم.
بطبيعة الحال، أصبح العلماء اليوم أكثر دراية من أيِّ وقت مضى بالآليَّات البيولوجيَّة المصاحبة للشيخوخة، كالالتهاب المزمن، وتدهور الميتوكوندريا، وتراكم تلف الحمض النووي، وشيخوخة الخلايا. لكن أيضًا هناك تجارب سريريَّة في مراحلها المبكرة لدراسة أدوية تُعرف باِسْمِ مزيلات الشيخوخة، والَّتي تهدف إلى إزالة الخلايا الهرمة من الأنسجة. وفي النماذج الحيوانيَّة، أدَّت بعض التعديلات الجينيَّة إلى إطالة العمر.
لكن هنالك جزئيَّة نادرًا ما تذكر في الإعلانات أو بعض تلك الدراسات: ألا وإنَّه لا يزال معظم هذا البحث قيد التطوير. وعليه، يَجِبُ أن أكُونَ واقعيين أيضًا! فلم يأتِ الارتفاع الكبير في متوسط العمر المتوقع خلال القرن الماضي من حقن مكافحة الشيخوخة، بل من استخدام اللقاحات، والمضادَّات الحيويَّة، وممارسات الولادة الآمنة، والإدارة الصحيحة لارتفاع ضغط الدم والسكري. بمعنى آخر، لقد غيَّرت الصحَّة العامَّة لا الجزيئات المعجزة (كما يظن أغلب الناس!) مفهوم البقاء على قيد الحياة. لذلك هنالك دراسات، منها تلك التي نشرت عام ٢٠٢٤ في المجلة البريطانيَّة للطِّب الرياضي، حيثُ أكَّدت أنَّ ممارسة التمارين الرياضيَّة المعتدلة وحدها تقلِّل الوفيات الناجمة عن جميع الأمراض كالسكري وضغط الدَّم بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمئة! بعبارة أخرى، فإنَّ أكبر التهديدات لطول العمر ليست عوامل وراثيَّة غامضة، بل هي عادات يوميَّة. من ناحية أخرى، يَجِبُ أن نعي بأنَّ التقدم بالعمر لا يظهر فجأة وبشكلٍ مفاجئ. إنَّه يأتي بهدوء في ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وزيادة تدريجيَّة في الوزن، وانخفاض في الحركة. بل وتتراكم هذه الآثار على مرِّ سنوات من السهر، وإهمال الفحوصات الطبيَّة، وقلَّة الحركة. وبالتَّالي طول العمر ليس منتجًا يُشترى، بل هو نمط يُبنى على مدى عقود. ويتحقق من خلال الانضباط اليومي، والرعاية الوقائيَّة، والحياة المتوازنة. ومن هنا إذا قدَّم العِلم يومًا ما أدوات آمِنة علمًّا لتأخير الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، فسنرحِّب بها، ولكن حتَّى ذلك الحين، تظل التدخلات الأكثر فعاليَّة هي طبعًا إنسانيَّة وسلوكيَّة بامتياز.
ختامًا، ليس دَوْر الطِّب أن يَعِدَ بالخلود، بل بتخفيف المعاناة، وتأخير المرض ـ مثلًا ـ والحفاظ على الكرامة لأطول فترة ممكنة لذلك الإنسان. وهكذا فالهدف الحقيقي ليس إطالة العمر إلى مئة وعشرين عامًا بأيِّ ثمن، بل بإطالة فترة الصحَّة، ولعلَّها السنوات الَّتي نعيشها بوضوح ومعنى.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي