يشهد القِطاع السياحي في سلطنة عُمان تحوُّلًا يتجاوز حدود الأداء الموسمي لِيعكسَ مسارًا اقتصاديًّا متصاعدًا في قلب مشروع التنويع الوطني؛ فالأرقام المعلنة لموسم الشتاء تكشف عن نُموٍّ نوعي يُعزِّز موقع السياحة كأحد أعمدة الناتج غير النفطي، حيثُ ارتفعت إيرادات الفنادق المصنفة من ثلاث إلى خمس نجوم بنسبة (22.2) بالمئة لِتصلَ إلى نَحْوِ (297.3) مليون ريال عُماني خلال عام 2025، مع استقبال أكثر من (2.37) مليون زائر ضِمن هذه الفئة وحدها، وبلوغ إجمالي نزلاء المنشآت الفندقيَّة (4.6) مليون نزيل، وهي مؤشِّرات تعكس توسُّع قاعدة الطلب، وتحسِّن جودة العائد في آنٍ واحد. هذا النُّمو يقاس بقِيمة النشاط الاقتصادي المتولد حَوْلَها من مطاعم ونَقْل وخدمات لوجستيَّة وفعاليَّات، ما يخلق سلسلة قيمة ممتدَّة ترفد قِطاعات متعدِّدة، وتولِّد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. في هذا السياق، لم تَعُدِ السياحة قِطاعًا خدميًّا تقليديًّا يرتبط بتقلُّبات المواسم، وإنَّما أصبحت رافعة ماليَّة قادرة على ضخِّ سيولة مستدامة في الاقتصاد، وتعزيز تدفُّقات نقديَّة مستقرَّة تدعم توازن الهيكل الاقتصادي بعيدًا عن حساسيَّة أسواق الطاقة وتقلُّباتها.
ويعكس الأداء القوي للموسم السياحي الشتوي كفاءة إدارة الطلب، وتوسيع قاعدة الأسواق المصدرة للسياحة إلى سلطنة عُمان، حيثُ يرتبط النشاط بعامل الطقس ونتاج استراتيجيَّة ترويجيَّة منظَّمة، وانفتاح مدروس على أسواق متنوعة في أوروبا ودول مجلس التعاون، إلى جانب روسيا والصين، وهو ما عزَّز استقرار التدفُّقات السياحيَّة وقلَّل من الاعتماد على سوق بِعَيْنِه. إنَّ تنامي نِسَب الإشغال في مسقط والدقم ومسندم وصلالة، وارتفاع متوسط أسعار الغرف ومتوسِّط مدَّة الإقامة يعكس تحسنًا في جودة الطلب وليس فقط في حجمه، كما أنَّ زيادة الرحلات العارضة والربط الجوي المباشر مع عدد من الوجهات الدوليَّة أسْهَمتْ في تعزيز القدرة التنافسيَّة للسَّلطنة في سوق سياحي عالمي شديد الحساسيَّة للمواسم والتقلُّبات الاقتصاديَّة. فهذا التنوع في الأسواق والمنتجات ـ من سياحة الأعمال والمؤتمرات إلى السياحة الترفيهيَّة والبيئيَّة ـ يرسِّخ نموذجًا أكثر توازنًا واستدامة، ويمنح القِطاع مرونة أعلى في مواجهة أيِّ متغيرات خارجيَّة، ويؤكِّد أنَّ السياحة العُمانيَّة دخلت مرحلة إدارة احترافيَّة تعتمد التخطيط طويل الأمد، وبناء الصورة الذهنيَّة للوجهة على أُسُس تنافسيَّة واضحة.
ولعلَّ القفزة الاستثماريَّة الَّتي يشهدها القِطاع السياحي تُمثِّل الدليل الأوضح على انتقاله إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا، حيثُ ارتفع عدد المنشآت الفندقيَّة إلى (1368) منشأة خلال عام 2025 مقارنةً بـ(1022) منشأة في العام السابق، مع نُموِّ عدد الغرف إلى (38390) غرفة بنسبة (8.7) بالمئة، إلى جانب إصدار (383) موافقة مبدئيَّة لمشروعات جديدة، والعمل على (114) مشروعًا متوقعًا افتتاحها خلال عامَي 2026 و2027، وهي مؤشِّرات تعكس ثقة متزايدة في الجدوى الاقتصاديَّة للقِطاع، كما أنَّ تجاوز الاستثمارات في المجمَّعات السياحيَّة المتكاملة حاجز (11.5) مليار ريال عُماني يعكس رسوخ البيئة الاستثماريَّة وقدرتها على جذب رؤوس الأموال طويلة الأمد، في ظلِّ وضوح الرؤية وتكامل الأدوار بَيْنَ الجهات المعنيَّة والمستثمرين. ويُعِيدُ التوسُّع توزيع النشاط الاقتصادي على مستوى المحافظات، حيثُ تتحول الدقم ومسندم وصلالة إلى مراكز جذب سياحي واستثماري متنامٍ، بما يُعزِّز التنمية المكانيَّة، ويرفع مساهمة المحافظات في الدَّوْرة الاقتصاديَّة الوطنيَّة.
إنَّ الاستدامة تُمثِّل البُعد الأعمق في هذا الحراك السياحي المتصاعد، إذ يكتسب القِطاع قوَّة إضافيَّة من تنامي السياحة الداخليَّة الَّتي سجلت (13.6) مليون زيارة خلال عام 2024، وهو رقم يعكس ترسُّخ الثقافة السياحيَّة لدى المُجتمع وارتفاع مستوى الإنفاق المحلِّي على المنتج الوطني، بما يوفِّر قاعدة طلب مستقرَّة تُعزِّز مرونة القِطاع أمام أيِّ متغيِّرات خارجيَّة، كما أنَّ تحسُّن متوسط سعر الغرفة ونُمو العائد لكُلِّ غرفة، إلى جانب زيادة مدَّة الإقامة والحجوزات المبكرة، يؤكِّد انتقال السوق إلى مرحلة أكثر نضجًا ترتكز على جودة التجربة وقِيمة الإنفاق، وتعكس تطورًا في سلوك الزائر وتوقُّعاته. في هذا الإطار، يتجاوز دَوْر السياحة حدود الإيرادات المباشرة لِيصبحَ أداةً لتعزيز الهُوِيَّة الثقافيَّة، وتحفيز ريادة الأعمال المحليَّة، وتنشيط الأنشطة البيئيَّة والبحريَّة والثقافيَّة المرتبطة بالاقتصاد التجريبي.. ومع استمرار تطوير المنتجات السياحيَّة وتعميق الشراكة بَيْنَ القِطاعين العام والخاص، يتبلور نموذج تنموي متكامل يوازن بَيْنَ النُّمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد، ويؤسِّس لقِطاع قادر على خلق قِيمة مضافة ممتدَّة تدعم استقرار الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.