أيها الإخوة الصائمون.. كل عام وأنتم بخير.. أحمد الله تعالى حمدًا يليق بكماله وجلاله، حمدًا يوافي نعمه ويقر بفضله، وأشكره سبحانه على أن أتمَّ علينا النعمة وبلغنا رمضان شهر الفضل والعطاء والقرآن، وأسأله ـ جل جلاله ـ أن يتقبل صلاتنا وصيامنا وقيامنا، وأن يتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال في هذا الشهر الفضيل، واسمحوا لي أن أصحبكم هذا العام في رحلة قرآنية بديعة وجميلة، تبث الحياة لأنها تتحدث عن (المياه وأنواعها في القرآن الكريم)، فهي رحلة مع آي القرآن الكريم حول حديثه عن المياه التي هي سر الحياة، وعن أنواعها بشتى تصنيفها، وهذا ما سنتناوله إن شاء الله تعالى.
إنّ حديث القرآن الكريم عن الماء ليس كونه عنصرًا حياتيًا طبيعيًا يروي عطش المخلوقات ويحيي الأرض، قال تعالى:(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء ـ 30)، وكذلك الماء رمز شامل لأنواع مختلفة لكل مراحل الكون كالحياة والخلق والبعث، وهو أيضًا وسيلة للتعبير البلاغي عن النعمة والعذاب، وعن الطهارة والفساد. بل تنوعت أوصافه وأنواعه بما يقارب ثلاثة وعشرين نوعًا، ونجد كل نوع منها يحمل دلالة خاصة في سياقه، ويكشف عن جانب من إعجاز القرآن في تصوير الحقائق الكونية والوجودية بلغة موجزة بليغة فسبحان الذي خلق فأبدع، ولهذا يتحدى سبحانه وتعالى الخلق في كثير من آي القرآن المجيد عن الماء من حيث تكوينه:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (النور ـ 43)، ووجوده:(أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل 60 ـ 61) ، وأنه سر الحياة، وأنه إذا غاب فمن ذا الذي يستطيع أن يأتي به، ومن ذلك قوله تعالى:(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونََ) (الواقعة 68 ـ 70)، ويقول تعالى:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ) (الملك ـ 30)، بل ويعلو دور الماء إلى أن يكون رمزاً لما جاء عنه من الحديث، فالقرآن الكريم ذكر أكثر من عشرين نوعًا من الماء، ولكل نوع دلالته البلاغية والشرعية والكونية، فالماء الطهور مثلًا ورد في سياق الطهارة والتزكية، حيث ينزل المطر من السماء ليطهر الإنسان جسدًا وروحًا، قال تعالى:(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (الأنفال ـ 11)، وليكون وسيلة للوضوء والغسل، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة ـ 6)، وهو ماء نقي صالح للشرب والاستعمال، قال تعالى:(هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءۖ لَّكُم مِّنهُ شَرَاب وَمِنهُ شَجَر فِيهِ تُسِيمُونَ (النحل: 10)، فالماء يجمع بين الطهارة الحسية والمعنوية قال تعالى:(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) (ص ـ 42)، وكذلك الماء الفرات العذب الصافي الذي يروي ويحيي، قال تعالى:(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَه مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان 48 ـ 49)، وقد جاء في مقابل الماء الأجاج شديد الملوحة الذي لا يُشرب، ليبرز التوازن بين النعمة والنقمة، وبين ما يصلح للحياة وما يعجز الإنسان عن الانتفاع به، قال تعالى:(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) (الفرقان 53 ـ 54).. وللحديث تتمة.
د. محمود عدلي الشريف