في الصيام يتحوَّل الامتناع من سلوك جسدي إلى موقف أخلاقي، فعند التمعن في أدبيَّاته العميقة يتجاوز فكرة الجوع لذاته، لِيصبحَ مشروعًا لبناء المستقبل بهدف إعادة ترتيب الحياة وملء فراغ الروح بما ينفعها، وتهذيبًا للعلاقة مع الرغبة، وإعادة تدريب الإرادة على القيادة، ومن هذا القول: ظلَّ الصيام في التجربة الإسلاميَّة عبادةً تُهذب عُمق الإنسان، حيثُ تتكوَّنُ عاداته، وتتشكل نظرته إلى ذاته والعالم، وهو ما يمنحنا يقينًا بأنَّنا نملك من القدرات ما نستطيع به تغيير واقعنا إذا ملكنا الإرادة الواعية.
القرآن الكريم يضع الصيام في سياق تربوي واضح، كما في قوله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»
التقوى هنا ملكة داخليَّة تُكتسب عَبْرَ التدرُّب على ضبط الدافع، فالصيام الحقيقي هو الَّذي يكُونُ «إيمانًا واحتسابًا»، حيثُ يمتزج عمل الجوارح (الامتناع) بعمل القلب (الاحتساب) لِتكُونَ نتيجته ـ إن شاء الله ـ الغفران والارتقاء النفْسي، إنَّ الامتناع المؤقت عن المباحات يعلِّم الإنسان ويدرِّبه على مفهوم «الاستعلاء عن الشهوات» ممَّا يجعله قادرًا على توجيه حياته نَحْوَ أهداف عظيمة، إنَّه يمنحنا الإرادة الواعية القادرة على التوجيه بالامتناع المؤقت عن المباحات.
في الفكر الإسلامي، تتجلى هذه الرؤية بوضوح عندما يظهر الصيام بوصفه تدريبًا على الانضباط الشامل، فالصيام بحسب المفهوم يهدف إلى إعادة تنظيم علاقة الإنسان بجوارحه، ثم بقلبه، فالقلب هو الملك الَّذي إذا صلح، صلح الجسد كُلُّه وتبعه في الانقياد والخضوع، وهو ما ينقله من ممارسة اعتياديَّة سنويَّة إلى ممارسة داخليَّة عمليَّة، تُدرِّب الإنسان على التحكم في الداخل (القلب والنيَّة) قَبل محاولة ضبط الخارج (السلوك والجوارح).
هذا المعنى تُعزِّزه السنَّة النبويَّة في بُعدها الحياتي بشتَّى مناحيه. فقد قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. صدق رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم. وهنا تتجلى التربية الدِّينيَّة في الوصف المباشر بِدَوْر الصيام ببناء القدرة على الاحتمال وضبط النفْس. فالصَّبر يظهر بوصفه قوَّة داخليَّة تُمكِّن الإنسان من إدارة انفعالاته وتأجيل استجاباته، وهو ما يُعزِّز جانبًا أصبح يظهر بوضوح فيما يُعرف في الأدبيَّات التربويَّة والإداريَّة بمفهوم «الذَّكاء العاطفي»، أي القدرة على إدارة الانفعال وتأجيل الاستجابة.
هذا النموذج العلمي لا يُستحضر للمقارنة الدِّينيَّة المباشرة، وإنَّما لفهمِ البُعد التربوي للصيام باعتباره تدريبًا يوميًّا متكررًا على «فنِّ الانتظار الواعي» وإدارة الزمن. ولهذه الممارسة تأثير يظهر بوضوح في سلوك الأطفال؛ فالطفل الَّذي يشاهد والدَيْه يتحكمان في انفعالاتهما وهما يُمارسان «القدوة العمليَّة»، ويتعاملان بهدوء مع الجوع والتَّعب، يتشرَّب هذه القِيَم دون خِطاب مباشر، وعلماء التربية يؤكدون أنَّ السلوك الممارس داخل الأُسرة يسبق التوجيه اللفظي في تشكيل وعي الطفل. وهو ما يغرس لدى الطفل الصبر، والانضباط، واحترام الزمن.
وقد أشارت العلوم الإنسانيَّة إلى أنَّ العادات المتكررة تتحول مع الزمن إلى ملكات راسخة، وأنَّ التربية تَقُوم على التدرُّج والقدوة. والصيام، بوصفه ممارسة تعبديَّة جماعيَّة، يعمل كمدرسة صامتة لإعادة إنتاج هذه الملكات، خصوصًا لدى الصغار.
أدبيَّات الصيام، إذًا، تكشف عن عبادة تُعِيد صياغة الإنسان من الداخل. الصِّيام يعلِّم فنَّ الامتناع الواعي، ويهذِّب العلاقة مع الرَّغبة، ويقدِّم نموذجًا أخلاقيًّا ينتقل عَبْرَ الأجيال بالسُّلوك قَبل القول. لهذا ظلَّ الصِّيام حاضرًا بقوَّة في بناء الضمير الفردي والجماعي، وفي صناعة إنسان قادر على ضبط ذاته، واتِّخاذ قراراته بوعي واتِّزان.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr