يتعامل كثير من الناس عندما يقررون أن يسافروا مع مختلف الجوانب المرتبطة بالسفر وكأنَّهم في بلدهم الأُم، متناسين أنَّ لكُلِّ دولة نظامها الخاص وقوانينها المختلفة عن قوانين بلدنا، وخصوصًا في الجوانب الصحيَّة؛ فالأمر ليس بتلك السهولة والبساطة الَّتي نتصورها، فما قد يكُونُ طبيعيًّا هنا، قد لا يكُونُ كذلك هناك في تلك البلاد الَّتي تقصدها، فدواء مثل البندول يباع في السوبر ماركت لدَيْنا بصورة عاديَّة وبدون وصفة طبيَّة، ولكنَّه سيدخلك السجن في دولة مثل جورجيا. فعدم معرفة هذه التفاصيل ستحيل رحلتك الَّتي تقصد بها الاستمتاع إلى جحيم يصعب عليك التخلص منه.
في الأسبوعين الماضيين مرَّت عليَّ حادثتان بَيْنَهما ارتباط بهذا الموضوع، الأولى عن سائح خليجي في إحدى الدول الأوروبيَّة المشهورة برياضة التزلج على الجليد، حيثُ وأثناء ممارسته لهذه الرياضة سقط من ارتفاع شاهق ممَّا أدَّى إلى تكسره وتطلَّب كُلُّ ذلك نقله إلى أقرب مستشفى لتلقِّي العلاج. ومعروف في العادة أنَّ المناطق الَّتي يتمُّ فيها ممارسة هذه الرياضة عادةً تكُونُ بعيدةً عن مناطق الخدمات حيثُ تتركز في المناطق الجبليَّة. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ حجم المبالغ الَّتي تمَّ دفعها مقابل كُلِّ هذه الخدمات من أجلِ معالجة هذا السائح وفي بلد أوروبي لا يتعامل إلَّا بالورقة والقلم كما يقال! لا شك أنَّ المبلغ كان طائلًا والسَّبب أنَّه لم يقُمْ بعمل بوليصة تأمين سفر يغطِّي هذه الاحتياجات والمخاطر، والفارق طبعًا بَيْنَ مبلغ التأمين والمبلغ الَّذي دفعه لا يُمكِن مقارنته بكُلِّ حال من الأحوال. أمَّا الحادثة الثانية فلسائح عُماني يختلف هدفه عن هدف السائح الأول، حيثُ ذهب للعلاج في إحدى الدول الآسيويَّة، ويبدو أنَّه أصيب بجلطة أثناء العلاج ممَّا استلزم إدخاله للعناية المركَّزة، في مستشفى خاص يوصف بأنَّه الأغلى في تلك الدَّولة وقد تجاوزت تكاليف وجوده في العناية المركزة يوميًّا حاجز السبعة آلاف ريال عُماني، ممَّا أدَّى بعائلته لطلب العون والمساعدة من أجلِ حلِّ هذه المُشْكلة الَّتي لا يستطيعون حلَّها وفْقَ إمكاناتهم، مع العِلم أنَّ عمليَّة نقله كانت تتطلب مبلغ خمسين ألف ريال عُماني على حدِّ وصف الفيديو الَّذي انتشر في منصَّات التواصل الاجتماعي، ممَّا تطلب تدخلًا عاجلًا من السُّلطات الصحيَّة العُمانيَّة لمعالجة هذه الأزمة.
إنَّ التعامل مع الجوانب الصحيَّة الطارئة على وجْه الخصوص يتطلب حذرًا شديدًا خصوصًا عند السفر؛ لأنَّه لا يُمكِن التنبؤ بها؛ فهي تأتي بغتة وبدون مقدِّمات ولا يُمكِن حسابها مسبقًا، كما أنَّ لكُلِّ دولة قوانينها وتشريعاتها الَّتي لا يُمكِن تجاوزها، وكُلُّ ذلك يتطلب توعية مدروسة من جهات الاختصاص ومن مكاتب السفر بوجْهٍ خاص، بأهميَّة وجود وثائق تأمين سفر تشمل كُلَّ هذه الجوانب دون استثناء وأن تكُونَ واضحة ومحدَّدة؛ لأنَّ الكثير من الشركات الَّتي تقدِّم تأمين السفر حاليًّا، تقدِّم تأمينًا شكليًّا إذا جاز لنا التعبير، لو حدَث لك أمر ـ لا قدَّر الله ـ ستكتشف إلى أيِّ مدى هشاشة هذا التأمين، والتوعية يَجِبُ أن لا تركِّز فقط على مجرَّد توضيح أهميَّة التأمين بقدر ما تركِّز على مدى ضآلة المبلغ المدفوع للتأمين مقابل بقيَّة تكاليف السفر من تذاكر وإقامة وأكل وفعاليَّات سياحيَّة. إذن الموضوع لا يُعَدُّ كونه خردةً بالمصطلح العام لو قارنَّاه ببقيَّة تكاليف السفر الأخرى.
إنَّ الاهتمام بهذا الجانب ستنعكس آثاره على الجميع إيجابًا، سواء كان الأمر متعلقًا بالسائح نفسه أو حتَّى الجهات ذات الاختصاص الَّتي تضطر للتدخل في أحيان كثيرة، وتدفع مبالغ طائلة لمجرَّد هفوة شخص لم يعطِ الموضوع أهميَّة عندما قرَّر أن يسافر بِغَضِّ النظر عن نوعيَّة هذا السفر.
د. خصيب بن عبدالله القريني