فيما مثَّل الاحتفال بيوم الصناعة العُمانيَّة بشعار «من عُمان إلى العالم: صناعة تنافسيَّة ورؤية عالميَّة» فرصة لقراءة التحوُّلات المتسارعة في بنية القِطاع الصناعي، ودَوْره المتنامي في مسار التنويع الاقتصادي وبناء اقتصاد قائم على القِيمة والابتكار فإنَّه أيضًا أعاد التأكيد على تحوُّل الهُوِيَّة الصناعيَّة كمسار استراتيجي متكامل، يجمع بَيْنَ التخطيط والسياسات والمشاريع والتقنيَّة وبناء القدرات. فالصناعة في سلطنة عُمان لم تَعُدْ نشاطًا إنتاجيًّا تقليديًّا، بل أصبحت مشروع تحوُّل وطني يُعِيد تشكيل الهُوِيَّة الاقتصاديَّة، ويربط بَيْنَ الاستثمار والتقنيَّة والتصدير والمعرفة، حيثُ إنَّ الهُوِيَّة الصناعيَّة شهدتْ انتقالًا واضحًا من الصناعات المعتمدة على التشغيل الأساسي والمنتجات منخفضة القِيمة المضافة، إلى صناعات أكثر تقدُّمًا تعتمد على التقنيَّة والابتكار وسلاسل القِيمة المتكاملة. ويتجلى ذلك في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى التوسُّع في الصناعات البتروكيميائيَّة والتحويليَّة، ومن بيع المعادن بصورتها الأوَّليَّة إلى تصنيع منتجات ومُكوِّنات هندسيَّة متخصِّصة، إضافةً إلى تطوُّر المصانع من خطوط إنتاج تقليديَّة إلى مصانع مؤتمتة تستخدم الأتمتة والتحليل الرَّقمي، إلى جانب نُمو الصناعات الدوائيَّة والغذائيَّة المتقدمة، ودخول صناعات مرتبطة بالطاقة المُتجدِّدة والتقنيَّات النظيفة، بما يعكس توجُّهًا واضحًا نَحْوَ صناعة أكثر ابتكارًا وتنافسيَّة وحضورًا في سلاسل التوريد العالميَّة
وهذا التحوُّل لم يقتصر فقط على تطوير خطوط الإنتاج، بل يشمل تغييرًا في فلسفة الصناعة نفسها: من الكمِّ إلى النوع، ومن السوق المحلِّي إلى المنافسة العابرة للحدود، ومن الاعتماد على الموارد الخام إلى تعظيم القِيمة المضافة مع القدرة على رفع الإنتاجيَّة، وخلق وظائف نوعيَّة، وتعزيز المحتوى المحلِّي، وزيادة قدرة المنتجات الوطنيَّة على دخول الأسواق العالميَّة بمعايير جودة وتنافسيَّة أعلى.
ومن هنا أصبح القِطاع الصناعي أحد الأعمدة الرئيسة في سياسات التنويع الاقتصادي، نظرًا لِمَا يتمتع به من أثَر مضاعف على بقيَّة القِطاعات. فالصناعة ترتبط باللوجستيَّات، والطَّاقة، والتعدين، والتجارة، والخدمات التقنيَّة، ما يجعل نُموَّها محفِّزًا لنُموِّ منظومة اقتصاديَّة كاملة.
كما أنَّه خلال السنوات الأخيرة، تكثفت الجهود لبناء قاعدة صناعيَّة حديثة من خلال حزمة مترابطة من السياسات والمبادرات، من أبرزها التوسُّع في المُدُن الصناعيَّة والمناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة كمراكز جذب للصناعات النوعيَّة وتطوير البنية الأساسيَّة الدَّاعمة للصناعة من موانئ ومناطق لوجستيَّة وشبكات نقل وتقديم حوافز وتسهيلات للمستثمرين الصناعيين.
وهنا يأتي شعار يوم الصناعة «من عُمان إلى العالم: صناعة تنافسيَّة ورؤية عالميَّة» كتعبير دقيق عن مرحلة جديدة تنتقل فيها الصناعة من دَوْرها التقليدي إلى دَوْر قيادي في الاقتصاد، قائم على الابتكار والقِيمة المضافة والانفتاح على العالم.
هيثم العايدي
كاتب صحفي مصري