لعل التغيير هنا ليتساوق مع دلالة الاستحواذ والاستيلاء، والغلبة التي قدمها الشيطان لهؤلاء العاصين الذين تركوا عقولهم، وأوقفوا تفكيرهم، ودخل عليهم الشيطان فاستحوذ على فكرهم وروحهم، وسيطر على عقولهم، وأخرجهم عن صوابهم؛ جراء الاستحواذ والسيطرة والتمكن والتحكم فيهم، تمامًا كما تحكم في الصيغة، والبنية الصرفية ودخل عليها، فجاء بصورة منها قلما تعرفها العرب في قبائلها، وبطونها، وأبقى استعمالًا سيطر على الأصل، واستحوذ عليه، وفرضه، وأكره الصيغة على النطق به، فصار الإكراه والسيطرة والاستيلاء على البنية والصيغة الصرفية رغم صعوبته ليحكي لون الاستحواذ الشيطاني على عقول الضعفاء، والمهترئين فكريًا وسلوكيًا، والضعاف عقديًا، ومن ليس لهم صلة بالله، فأخذهم واستحوذ عليهم، وحرمهم نعمة الصواب، والتفكير السليم، فراحوا ومضوا وفق هواه، وخالفوا فطرتهم السليمة، وطبيعتهم المستقيمة، كما خالفت الصيغة قواعدها السليمة، وصيغتها واستعمالاتها القويمة، فتناسب وتساوق، وتضاهى، وتماهى، وتشابه، وتشاكل مع السياق القرٱني، والدلالة المسوقة، التي تقف خلف ذلك المعنى الكبير، وكشف عن السبب في المعاصي، والطريق المبعدة إلى غضب الله، وهو الرضوخ إلى استحواذ الشيطان، وسيطرته على بني ٱدم، ولعبه بعقولهم، وإقناعهم بسلامة موقفهم، كما ذكر الكتاب العزيز:(.. وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (الأعراف ـ ٢٠)، وحلف لهما أنه لهما من الناصحين:(وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) (الأعراف ـ ٢١)، فلما كان الأمر هو استحواذ الشيطان وتغلبه عليهم، وعمله في عقولهم وأرواحهم وأنفسهم جاءت الصيغة متغلبة على الأصل، مسيطرة عليه، مستولية في هذا السياق حتى تتساوى دلالة الموقف، مع دلالة سياق الحال الذي تريد الٱية ترسيخه في الشعور، وتعميقه في الإحساس، وقريب من ذلك وليس ببعيد قوله تعالى:(ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين..) (النساء ـ ١٤١)، فهذه العبارة من سورة النساء تعبّر عن قول المنافقين للكفار، في حال انتصار الكفار، حيث يزعمون أنهم استولوا عليهم، ونصروا الكفار، ومنعوهم من المؤمنين، وهدفهم من ذلك هو إظهار المنّة على الكافرين، وتصوير أنفسهم كأنهم السبب في هزيمة المؤمنين، وذلك بهدف كسب مكاسب دنيوية، أو محاولة خيانة المؤمنين.
وقوله:(ألم نستحوذ عليكم) أي: ألم نكن معكم، ونحن نتحكم فيكم بالبيان، وننصركم بالمعنى، (ونمنعكم من المؤمنين) أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين، ونمنعهم من بأسهم، وتُفسر أيضُا بأنها بتخذيلهم عن المؤمنين (بمنعهم من المؤمنين)، ومراسلتهم بأخبارهم، وبث الشائعات، والفِتن بينهم، والٱية بتمامها هي:(الذينَ يتربصونَ بِكُم فإِن كَانَ لَكُم فَتحٌ مِنَ اللهِ قالوا ألم نَكُن مَعَكُم وإن كَانَ لِلكَافِرينَ نَصيبٌ قالوا ألم نَستَحوذ عليكم ونَمنَعكُم مِنَ المؤمنينَ والله يحكمُ بينكم يومَ القيامةِ ولَن يَجعلَ اللهُ للِكَافِرينَ على المؤمنينَ سبيلاً).
والخلاصة: أن المنافقين يعلنون الولاء لمن ينتصر، ويزعمون دورهم في النصر، من أجل الحصول على الغنيمة، بينما تدل الآية على أن الله هو الحكم بينهم، وأن النصر للمؤمنين في الدنيا، والآخرة.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية