مسقط ـ العُمانية: يُعَدُّ السَّمت العُماني منظومةً قيمية شكّلت هوية المجتمع وصورته الحضارية، ومع تسارع التحولات الاجتماعية والرقمية تتزايد الحاجة إلى قراءة واقعه وتعزيز حضوره الفعلي في سلوك الأفراد والأجيال الناشئة.
وأكّد عددٌ من المختصين لوكالة الأنباء العُمانية أهمية الوقوف بوعي أمام واقع السَّمْت العُماني، وتعزيز تجسيده في الممارسة اليومية والفضاء الرقمي، مشددين على أنَّ ترسيخ هذه القيم يتطلب نماذج عملية تُسهم في صونها لدى الأجيال الجديدة وحماية الهُوية الوطنية في عالم متغيّر.
وقال يونس بن محمد الصابري، مدرب في السَّمْت والمواطنة، إنَّ السَّمْت العُماني منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة تشكّلت عبر تاريخ طويل من القيم المستمدة من الأصالة الإسلامية والعروبية، وأسهمت في بناء شخصية الإنسان العُماني وتنظيم سلوكه، فصاغت صورة حضارية للوطن في الداخل ورسَّخت مكانته في الخارج.
وأشار إلى أنَّ الواقع المعاصر يكشف عن تراجع ملحوظ في بعض قواعد السَّمْت، خاصة المرتبطة بالبناء الأسري والاجتماعي، وفق قراءات اجتماعية، ما انعكس في ظواهر مقلقة، لافتًا إلى تحوُّل بعض مظاهره إلى أشكال خارجية مجردة من مضامينها، فبقي الرمز وغابت الروح. وبيَّن أنَّ السَّمْت والسَّنَع متى ما قدّما تعريفًا صحيحًا يوضح مصادرهما وأثرهما، ونالا العناية اللازمة، سيغدوان ركيزة يحرص الشباب على التمسك بها، أما إذا انتُهكت قواعدهما عمليًّا فإن محاولات إقناع الأجيال بأهميتهما تفقد مصداقيتها مهما حُسِّن الخطاب.
من جانبه، أوضح الدكتور يونس بن جميل النعماني، مدير دائرة قطاع الثقافة باللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، أنَّ من أبرز التحدّيات في ظل العولمة والانفتاح الثقافي ضعف الوعي بأهمية السَّمْت، في وقت أفرزت فيه التقنيات الحديثة تأثيرات فكرية متسارعة انعكست على بعض أفكار وسلوكيات الشباب.
وأضاف أنَّ من التحدِّيات أيضًا تراجع دور بعض الأسر في ترسيخ العادات العُمانية الأصيلة، سواء في المجالس أو اللباس أو السلوك، داعيًا إلى تعزيز التكامل المجتمعي في حماية هذه القيم التي يحظى بها العُماني بتقدير واسع. ولفَتَ إلى أنَّ الدراسات تشير إلى تأثر منظومة القيم بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، إذ قد تدفع المتغيرات الاقتصادية بعض المجتمعات نحو النزعة الاستهلاكية والتحرر الفردي، فيما تؤثر الهجرات وتحول الأسر الممتدة إلى صغيرة في إعادة تشكيل البنية القيمية.
من جانبها، أكّدت غنيمة بنت سليمان الشكيلي، مشرفة إرشاد اجتماعي، أنَّ الأسرة تمثل المدرسة الأولى للقيم، وأنَّ انسجام الرسائل بين البيت والمدرسة عنصر حاسم في ترسيخ السلوك القيمي، إلى جانب دور القدوة في المدرسة والجامعة. وقالت إنَّ ترسيخ السَّمْت لدى الأجيال لم يعد يتحقق عبر الوعظ المباشر، بل من خلال التجربة اليومية، مشيرةً إلى أهمية ربط القيم بسلوكيات الحياة المدرسية، وتوظيف أدوات تعليمية معاصرة كالمحتوى الرقمي والمواقف التفاعلية.
وأوضحت أنَّ الانتقال من لغة الأوامر إلى أسلوب يُعزِّز القناعة الذاتية يسهم في بناء دافعية داخلية لدى الطلبة، مؤكدةً ضرورة تحويل القيم من شعارات إلى ممارسات مدعومة بأنظمة سلوكية واضحة وحوافز إيجابية.
وقالت الدكتورة رقية بنت حميد الوهايبي رئيسة قسم اللغة الإنجليزية في الكلية المهنية بصحم: إنَّ العالم الرقمي جعل منشورًا واحدًا قادرًا على نقل نقاش عابر إلى حالة اصطفاف حاد، غير أنَّ المجتمع الذي يستند إلى ثقافة احترام راسخة قادر على إدارة الخلاف بوعي واتزان. وبيَّنت أنَّ تعزيز الحوار الراقي لا يتحقق بالمواعظ، بل بالممارسة العملية، مستشهدةً بتجربة طُبّقت في نقاش طلابي تقضي بعدم الرد قبل تلخيص رأي الطرف الآخر بإنصاف، وهو ما أسهم في تهدئة النقاش وإعادته إلى مساره العقلاني. وأكدت أنَّ ترسيخ هذه القيم يتطلب تدريبًا مستمرًّا حتى تتحول إلى عادات راسخة، مشيرةً إلى أهمية إشراك الشباب في مبادرات تعيد تعريف السَّمْت من خلال تجاربهم الواقعية.