الأحد 01 مارس 2026 م - 11 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : صناعة التفاهة .. مشروع ناعم لتزييف صورة الوعي الجمعي وتفريغ الأولويات

في العمق : صناعة التفاهة .. مشروع ناعم لتزييف صورة الوعي الجمعي وتفريغ الأولويات
السبت - 28 فبراير 2026 06:11 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

لم تَعُدْ صناعة التفاهة في زمن المنصَّات الرقميَّة حالة وقتيَّة عابرة أو سلوكًا فرديًّا محدود الأثر، بل تحوَّلت إلى مشروع ناعم متكامل الأركان، يُعِيدُ ترتيب سلَّم الأولويَّات في عقول الناشئة، ويوجِّه الاهتمام نَحْوَ القشور والظواهر الصوتيَّة الفارغة، ويزحزح القضايا الكبرى عن موقعها الطبيعي في الوعي الجمعي. إنَّ الخطر اليوم لا يكمن في وجود التافهين فحسب ممَّن صنعت حضورهم المنصَّات الرقميَّة، وارتماء جيل «Z» في أحضان التقنيَّة والاحتكام إلى قرارها بِدُونِ نظر، بل في صناعة محتوى التفاهة ذاتها؛ وتحويلها إلى ثقافة، وإلى نموذج نجاح، ليحلَّ الضجيج محلَّ الحكمة، ويغطِّي الصراخ على رصانة الفكرة، ويزيد المتزاحمين على أبواب التفاهة في سبيل الحصول على الشهرة والمكاسب الماديَّة.

من هنا نطرح أوَّل تساؤلاتنا الَّتي تفرض نفسها وهو: كيف تحوَّلت التفاهة إلى مشروع ناعم يُعاد إنتاجه يوميًّا؟ ومن المستفيد من بقائه واستمراره؟

على الرغم من أنَّ التفاهة حالة حاضرة في السلوك البشري قد تظهر مصاحبة لبعض الفئات ولبعض الظروف، إلَّا أنَّ التحدِّي اليوم هو تحوُّلها من مجرَّد ظاهرة صوتيَّة وقتيَّة إلى أن أصبحت مشروعًا ناعمًا، يحظى بمزيدٍ من الرسميَّة، فبَيْنَما كانت التفاهة سلوكًا مستقبحًا اجتماعيًّا، ويُنظر إلى صاحبه باعتباره حالة شاذَّة عن السياق العام؛ اتَّخذت اليوم مسارًا آخر يتمُّ التسويق له بذكاء، وتُقدَّم في قوالب جذَّابة، وتُلبس ثوب المرح، وتُغلَّف بخِطاب الترفيه الخفيف، حتَّى تغلغلت في تفاصيل الحياة اليوميَّة، وصارتْ جزءًا من المشهد الإعلامي المعتاد.

وهنا يكمن الخطر فلم تَعُدِ التفاهة انحرافًا وشذوذًا عن القواعد العامَّة والمعايير المُجتمعيَّة، بل بدأتْ تُقدَّم باعتبارها أصل القواعد ذاتها، حيثُ أصبح الحديث الصاخب، والرأي المثير، والسلوك المستفز، أدوات جذب مشروعة في سوق تنافسي لا يعترف إلَّا بعدد المشاهدات ونِسَب التفاعل، وأصبح «الترند» معيارًا للحضور حتَّى ولو كان على حساب المنطق أو المهنيَّة، أو القِيَم والهُوِيَّة والسَّمْت والأخلاق والفضيلة. الأمر الَّذي باتَ يُثير الدَّهشة ويضع العقل في حيرة من الأمر، كيف تحوَّلت عفويَّة المحتوى بهذه السرعة الجنونيَّة إلى هندسة مدروسة لإعادة تشكيل الذَّائقة العامَّة حَوْلَ الذَّات والآخر والقِيَم والفضيلة والوالديَّة والأولويَّات والسعادة وكُلّ تفاصيل الحياة، ما يعني أنَّ التفاهة اليوم عمليَّة منظَّمة وسلوك مبرمج، فما كنَّا نحسبها «ظاهرة صوتيَّة وقتيَّة» أصبحتِ اليوم صناعة جديدة تستهدف إحداث خللٍ في عُمق الأوطان وبنية الإنسان وثوابته وعقيدته، حيثُ يُعاد خلالها تشكيل الشخصيَّة المُجتمعيَّة من جديد، ولم تَعُدِ التفاهة استجابة لطلب الجمهور التقني، بل صناعة لواقع جديد يُعاد تشكيله وتغذيته باحترافيَّة.

على أنَّ من أخطر ما تأسَّست عليه صناعة التفاهة أنَّها تستهدف تفريغ العقول من أولويَّاتها الحقيقيَّة المعزّزة بفِقه الأهداف والغايات لِتتَّجهَ بها إلى السطحيَّة والبحث في القشور، فبدلًا من أن ينشغلَ الشَّباب بقضايا التعليم، والبحث العلمي، وسوق العمل، والهُوِيَّة الوطنيَّة، والتنمية المستدامة، تتَّجه بهم مصانع التفاهة إلى متابعة القضايا الجدليَّة والمقاطع المثيرة، والقصص الشخصيَّة الَّتي لا تتجاوز حدود الاستعراض للممارسة اليوميَّة المبتذلة والمحتوى الهابط بما يحصل في مُجتمع صنَّاع التفاهة من لبس وموضة وأكلات، الأمر الَّذي قد يفتح باب الجدل حَوْلَ قضايا محسومة، أو يُعِيد إحياء موضوعات تجاوزها الزمن، أو تُقتطع تصريحات من سياقها لتُضخّم الحدث وإثارة الاهتمام، فينشغل الرأي العام لأيَّام وأسابيع متتالية عَبْرَ منصَّة (X) وغيرها في نقاشات عقِيمة، لا تضيف معرفة، ولا تَبْني وعيًا، ولا تُسهم في حلِّ مُشْكلة حقيقيَّة. وهنا يتحقق أوَّل أهداف المشروع الناعم في إشغال الشَّباب بقضايا ثانويَّة وقتيَّة، وصرفهم عمَّا ينبغي أن يكُونَ في مقدِّمة اهتمامهم.

إنَّ الشَّباب ـ بحُكم فضولهم وحاجتهم للاعتراف الاجتماعي إمَّا بسبب تغييب الحوار والاحتواء المُجتمعي والأُسري، أو بسبب الظروف الاقتصاديَّة ومعاناة الكثير من الباحثين عن عمل والمسرَّحِين ومخرجات التعليم في ظل هامش الفراغ الَّذي يعيشونه ـ هم الفئة الأكثر تأثرًا بصناعة التفاهة، حيثُ يُقدِّم لَهُمُ التافهون أنْفُسهم بأنَّهم قدوات ومؤثرين، وحين يُختزل النجاح في عدد المتابعين، وتُربط القِيمة الشخصيَّة بحجم التفاعل، وكأنَّ مغزى الرسالة الَّتي يُراد أن تصلَ إلى مُجتمع (Z) واضحة وهي أنَّ: الطريق لبلوغ النجاح وصناعة الأثر وكسب المال لا يأتي بطلب العِلم واستفراغ الوسع والاجتهاد وإدارة الوقت، بل بالقدرة على إثارة الرأي العام ونقله إلى حالة أخرى يفقد خلالها تركيزه على الأولويَّات الشخصيَّة والوطنيَّة ليندفعَ بكُلِّ قوَّة متأثرًا بما قدَّمه صنَّاع التفاهة لهم من محتوى، وحجم الضَّجيج والصَّخب الَّذي نتج عنه زيادة أعداد المتابعين.

لقد عزَّزت هذه الصورة الذهنيَّة السطحيَّة من تراجع الاهتمام بالتحليل والنَّقد والعُمق في قراءة الأحداث، لصالحِ التفاعل السريع والانفعال اللَّحظي، وعندها يضعف حسُّ السؤال، ويُستبدل بثقافة إعادة النشر، لِتغيبَ مهارة التحقُّق من المعلومات، والتثبُّت من الخبر، ويحلُّ محلَّها الاكتفاء بالعناوين الجاذبة والظواهر البرَّاقة، لذلك تصل في أذهان الناشئة الشَّباب يوميًّا الكثير من «المعلَّبات الفكريَّة»، ليتداولوها بَيْنَهم دُونَ تمحيص، ثم قد يتبنَّون خلالها مواقف جاهزة، وشعارات مستوردة، ورؤى مبتورة، دُونَ أن تمرَّ بمرحلة فلترة أو مراجعة، ليتَّجهَ الناشئة إلى المعلَّبات الفكريَّة الجاهزة وترديد العبارات السطحيَّة الساذجة كالببغاء بِدُونِ تثبُّت أو فَهْم لما تحمله بَيْنَ سطورها من غايات سقِيمة وسموم خفيَّة؛ وهنا يتحول جيل الشَّباب إلى متلقٍّ سلبي، يُعاد تشكيل وعيه عَبْرَ محتوى صوتي صاخب، يفتقر للحوار الرَّصين والفَهْم المعمَّق.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدِّ، بل اتَّجهت الغاية من صناعة التفاهة، إلى إعادة تشكيل الهُوِيَّة الشخصيَّة والوعي الجمعي، حيثُ يُرفع التافهون إلى مصاف القدوات، ويُحتفى بهم في المجالس والبرامج، ويُمنَحون مساحات واسعة للحديث باِسْمِ المُجتمع، في حين تتآكل وتضيق مساحة الاهتمام بالنماذج الأصيلة في المُجتمع، المُعلِّم المجتهد، والباحث المثابر، والطبيب المخلص، والكاتب الرصين، ويُستبدل بهم صانع محتوى لا يملك إلَّا صوته العالي أو سلوكه المثير، وهنا تختلُّ موازين القدوة، ويضطرب معيار النجاح، وتتَّجه القِيَم المرتبطة بالحياء والوقار والاتزان إلى الاختفاء، وباِسْمِ الحقوق ظهرتْ موضة تذويب الفوارق الفطريَّة، وإعادة تعريف الأدوار الاجتماعيَّة بطريقة أخرى تنتفي فيها مفاهيم الخصوصيَّة والتباينات في الطبيعة البشريَّة، فيغيَّب مفهوم التكامل، ويُفتح المجال للنزال والصدام بدل التنافس وإذكاء حسِّ الفطرة، من خلال وضع الرجُل في موضع إنسويَّة مشوّهة، والمرأة في سلوك رجولي صادم، بعيدًا عن التوازن القِيَمي الَّذي يحفظ للمُجتمع استقراره، لِتصبحَ مسألة تغييب الحياء، والاستهتار بالثوابت، والسخريَّة من القِيَم، مؤشِّرات على مشروع يسعى إلى تفكيك المرجعيَّات الأخلاقيَّة، وتحويلها إلى مادَّة للضحك أو الجدل والاستهتار.

والسؤال الآخر الَّذي سيظل حاضرًا بقوَّة عند الحديث عن التفاهة هو: مَن صنع التفاهة؟ ومَن روَّج للتافهين؟ الإجابة المؤلمة أنَّنا ـ أفرادًا ومؤسَّسات ـ شركاء في هذه الصناعة؟ فنحن مَن نُعِيد النشر، ونحن مَن نمنح التفاعل، ونحن مَن نُشعل الجدل بردودنا، ونحن مَن نمنح المنصَّات سببًا للاستمرار في هذا النمط من المحتوى. ولا شك بأنَّ بعض الوسائل الإعلاميَّة تتحمل جزءًا من المسؤوليَّة حين تختزل المهنيَّة في الإثارة، وتقدِّم السقطات الكلاميَّة على الأطروحات الرصينة، بحثًا عن «الترند»، بل إنَّ غياب الإنتاج الفكري المتجدِّد، وضعف الترويج للمحتوى العلمي الرصين، وتغييب المبادرات الَّتي تُقرّب المعرفة إلى الناس بلُغة جذَّابة، كُلّها عوامل تفسح المجال أمام التفاهة لِتملأَ الفراغ.

وإذا كانت المنصَّات الاجتماعيَّة واقعًا محتومًا، فإنَّ مواجهة صناعة التفاهة لا تكُونُ بمنع المنصَّات، ولا بمصادرة الآراء، بل ببناء وعي تعليمي نقدي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي للمُجتمع والانتقال به من السرديَّات السطحيَّة إلى الفَهْمِ والتأمل والبحث في العُمق، وتعزيز ثقافة السؤال، ودعم النماذج الإيجابيَّة، وإعادة الهيبة للكلمة الطيبة.

ومن أجْلِ ذلك نحتاج إلى خِطاب إعلامي مسؤول، يوازن بَيْنَ الجاذبيَّة وصناعة الأثر، ونحتاج إلى تعليم عالي الجودة يُنمِّي مهارات التفكير والتحليل، ونحتاج إلى أُسرة تُحاور أبناءها، وتوجِّههم، وتغرس فيهم الثقة بالهُوِيَّة والانتماء، كما نحتاج ـ قَبل ذلك كُلِّه ـ إلى قرار فردي ووعي جمعي وثقافة التزام مؤسَّسي بإعادة تصحيح المسار واستعادة البوصلة وسدّ فجوة فراغ الضوابط؛ فالتفاهة ـ مهما ارتفعت أصواتها ـ لن تصمدَ أمام صدق الكلمة، وعُمق الفكر، ولن تقفَ أمام مُجتمع واعٍ يدرك خطورة ما يُراد به، لِتبقَى الرهان في معركة الوعي، إذ إنَّ مُشْكلتنا ليس في مواجهة الأشخاص، بل في قدرتنا على صناعة الوعي واحتواء النماذج وصناعة المؤثِّرين، ومتى ما استعدنا ترتيب أولويَّاتنا، وأعدنا الاعتبار للقِيَم والثوابت، وعزَّزنا في الناشئة روح النقد والتحليل، فإنَّ مشروع صناعة التفاهة سيتراجع تلقائيًّا، ويَعُود إلى حجمه الطبيعي «ظاهرة صوتيَّة فارغة المحتوى» لا يتعدَّى وزن صنَّاع التفاهة فيها، حدود الدعاية والإعلان، والترويج والتسويق للملابس والأحذية والعطور، ومساحيق التجميل ـ وهم لا شيء ـ في مُجتمع يعرف قدر نفسه، ويُحسن حماية هُوِيَّته، ويصون عقل أبنائه من المعلَّبات الجاهزة والتفريغات الممنهجة والتشكيلات المغرضة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]