الأحد 01 مارس 2026 م - 11 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

البرلمان بين التفعيل والتعطيل

البرلمان بين التفعيل والتعطيل
السبت - 28 فبراير 2026 06:25 ص

سعود بن علي الحارثي

10


خاض الإنسان عَبْرَ تاريخه الطويل أشكالًا متعدِّدة من الصراعات وقدَّم تضحيات كبيرة دفاعًا عن حقوقه، ونَيْل حُريَّته في العيش الكريم، والمطالبة بوضع آليَّات للمساءلة، وإشراك المُجتمعات في اتِّخاذ القرار. وصيغت خلال تلك المراحل الكثير من النظريَّات تجاوبًا مع تطلُّعات الشعوب وثوراتها المتتابعة، «العقد الاجتماعي»، «الحق الطبيعي»، «سيادة الأُمَّة»، وطوَّرت العديد من الرؤى، وسجَّل الفلاسفة والمفكرون من أمثال جان جاك روسو، وتوماس هوبز، وجون لوك وهيجل وغيرهم كثير، توجُّهاتهم وخلاصة أفكارهم الَّتي وإن تباينت في التفاصيل والآليَّات، إلَّا أنَّها جميعها تمهِّد لنشوء حُكم رشيد يَقُوم على آليَّات المساءلة، وينظِّم العلاقة بَيْنَ الحاكم والمحكوم، ويحدِّد الصلاحيَّات والممارسات بَيْنَ مؤسَّسات الحكم، ويَضْمن للمواطن حقوقه السياسيَّة ومنها المشاركة والمحاسبة والرقابة، وتتفق في مضمونها على أنَّ السيادة لمجموع أفراد الشَّعب، وعلى وجود حقوق طبيعيَّة للإنسان يستخلصها العقل من الطبيعة الإنسانيَّة «السيادة عبارة عن ممارسة للإرادة العامَّة، وأنَّها ملك للأُمَّة جمعاء باعتبارها وحدة مستقلَّة عن الأفراد المكوّنين لها وليست ملكًا للحاكم»، «الأفراد انتقلوا من الحياة البدائيَّة الَّتي كانوا يعيشونها إلى حياة الجماعة السياسيَّة المنظَّمة بموجب العقد». ولكُلِّ من تلك النظريَّات والرؤى الموضوعة، مزايا وعيوب فصلها الباحثون والمفكرون في أكثر من مرجع... ومع ولادة واتِّساع خصائص وسِمات الدَّولة الحديثة وتطوُّر العصر وزيادة عدد السكَّان وما شهده العالم من ثورات علميَّة وتقدُّم شامل وامتداد نطاق البنى الأساسيَّة والخدمات والشبكات وتمدُّد مسؤوليَّات الحكومات... باتَ من الاستحالة بأن تتمكنَ الحكومات من الاستماع إلى مطالب ومُشْكلات الناس، وإشراكهم واقعًا في اتِّخاذ القرار وتمثيل مصالحهم وتطلُّعاتهم في إعداد الخطط والبرامج والموازنات والقوانين، فاستحدث البرلمان ليضطلعَ بهذا الدَّوْر المُهمِّ والحيوي، وأعضاؤه العاملون فيه، هم المنتخبون والمختارون من قِبل المُجتمع والممثِّلون للمواطن، والمعنيون بتحقيق مصالحه. فالبرلمان يُعنى بمحاسبة ومساءلة الحكومات على تقصيرها، وتقييم أدائها، ومراقبة سَير عملها، ومراجعة وإعداد التشريعات ومشروعات الخطط والموازنات بما يُحقق مصالح الوطن والمُجتمع على السَّواء، وفقًا لأدوات ووسائل وآليَّات ينصُّ عليها الدستور، وتتباين صلاحيَّات وقوَّة ودَوْر وأداء عمل البرلمان وموقعه في النظام السياسي من دولة إلى أخرى، ولكنَّه يظل ذا قوَّة ودَوْر فاعل وسُلطة أساسيَّة في النظام الديمقراطي إلى جانب السُّلطتين الأخريين القضائيَّة والتنفيذيَّة، ولا يزال البرلمان معطلًا وأداءه شكليًّا في مُعْظم إن لم يكُنْ كُلُّ الدول العربيَّة، ووجوده لا يعدو أن يكُونَ دعاية وتسويقًا غايته تقديم رسالة غير صحيحة عن تجذُّر ووجود الشراكة والحُريَّات والقِيَم الديمقراطيَّة في أنظمتنا السياسيَّة. في كتابي «صفحات من الشورى.. ذكريات ثلاثة عقود»، خصَّصتُ فصلًا، تناولتُ فيه أنواع البرلمانات وصلاحيَّاتها وأدوارها وآليَّات عملها... على ضوء مشاركاتي الخارجيَّة وزيارتي واطلاعي على عددٍ منها في دول عربيَّة وأوروبيَّة، صنَّفتها في أربعة نماذج برلمانيَّة، وهي: النموذج الأول: المتمثل في صلاحيَّات وممارسة برلمانيَّة كاملة بمعنى «سُلطة تشريعيَّة ورقابيَّة واسعة» تعمل ضِمن مؤسَّسات الدَّولة الثلاث «التشريعيَّة ـ التنفيذيَّة والقضائيَّة» متجسدًا في النُّظم الديمقراطيَّة الغربيَّة بالأخص، وعرضتُ نموذجًا «المملكة المُتَّحدة وألمانيا» على ضوء زيارتي لمجلسَي العموم البريطاني والبوندستاج الألماني. النموذج الثاني: يتمثل في صلاحيَّات برلمانيَّة كاملة وممارسة مقيَّدة، الثالث: مجلس معيَّن، أعضاء متميِّزين كفاءة وخبرة وتعليمًا ولكنَّه لا يزال مجلسًا استشاريًّا، وأخيرًا: صلاحيَّات تشريعيَّة وممارسة برلمانيَّة كاملة، ومُدان بتعطيل الحركة التنمويَّة في البلاد، وهي نماذج تظهر في عدد من الدول العربيَّة. في مجلس العموم البريطاني: يعمل النائب على غرس المبادئ الديموقراطيَّة في قلوب النَّشء منذ الصغر لِكَيْ تصبحَ الأجيال مستعدَّة للتَّوجيه والنَّقد، والقدرة على الحوار والمناقشات، وتقبُّل العيش في أجواء الحُريَّة والديموقراطيَّة. وفي نظام المجلس، يُعَدُّ وزير الخارجيَّة مسؤولًا مسؤوليَّة تامَّة عن سَير أعمال وزارته أمام البرلمان، وتحتِّم عليه المسؤوليَّة ومعاونوه الأربعة تقديم معلومات صحيحة، وبيانات دقيقة وإجابات واضحة عن جميع الاستفسارات والأسئلة الموجَّهة إليهم من قِبل مجلس العموم، وسيكُونُ الوزير عرضةً لحجب الثقة إذا قدَّم عن قصد معلومات مضلِّلة ولم يبادرْ تلقائيًّا إلى تقديم استقالته من منصبه لرئيس الحكومة. ويخصِّص مجلس العموم نصف ساعة من كُلِّ أسبوع لاستجواب رئيس الوزراء، تطرح عليه خلالها الأسئلة في كافَّة الجوانب والأمور في الشَّأنين الداخلي والخارجي، وعليه أن يجيبَ على جميع الأسئلة المطروحة بدقَّة. حضور الوزراء إلى المجلس إلزاميًّا، ولا يتمُّ استدعاؤهم؛ فهم مسؤولون مسؤوليَّة قانونيَّة تقتضي حضورهم للردِّ على الأسئلة، وتنظَّم هذه العمليَّة عن طريق التقاليد المتعارف عليها. وتنحصر أهم اختصاصات البرلمان في:

1. إصدار القوانين واللوائح.

2. إحالة شكاوى المواطنين إلى الحكومة.

3. تحويل الضرائب إلى راحة ومصلحة الشَّعب، ومتابعة صرفها.

4. محاسبة الحكومة حَوْلَ الأخطاء الَّتي ترتكبها.

ومن أبرز مهام البرلمان الألماني «البوندستاج»، دراسة وإصدار القوانين، والرقابة على الأداء الحكومي وتشكيل لجان تحقيق للرقابة من ربع عدد أعضاء البرلمان، وحق المساءلة وطرح الأسئلة على الحكومة، وطرح الثقة، فإذا لم يصوِّتْ أغلبيَّة الأعضاء لصالح المستشار فهذا يعني إسقاطه. تجتمع الحكومة يوم الأربعاء لاتِّخاذ القرارات، وفي الساعة الواحدة تجتمع مع البرلمان للإجابة على أسئلة الأعضاء. أمَّا الخلاصة الَّتي خرجنا بها من زيارتنا لعددٍ من المجالس في دول عربيَّة، فالبرلمان، إمَّا لدَيْه الصلاحيَّات التشريعيَّة والرقابيَّة الكاملة، ويُمثِّل المُجتمع أعضاء لا تنقصهم الكفاءة والخبرة والتمرُّس في العمل البرلماني، ولكن تأثيرات المؤسَّسة البرلمانيَّة على النظام العام سياسيًّا واجتماعيًّا ومؤسَّسيًّا ضعيف للغاية وثقة المُجتمع فيها تتراجع باستمرار، ويَعُود السَّبب في ذلك إلى هيمنة الحزب الحاكم وسيطرته على مؤسَّسات الدَّولة ومقدّرات البلد وإحاطة نظامه بسياجات من الحماية الأمنيَّة متعدِّدة الأشكال، لضمانِ بقائه في الحكم، ومن بَيْنِ تلك السياجات إضعاف الأحزاب الأخرى. أو أنَّه نموذج للمجلس المعيَّن بأعضاء متميِّزين كفاءة وخبرة وتعليمًا وقدرة فذَّة على تناول ودراسة الموضوعات والملفَّات الوطنيَّة، لأنَّهم اختيروا وتمَّ انتقاؤهم من قِبل الحاكم، ولكنَّه في المقابل لا يزال مجلسًا استشاريًّا. وفي الثالث، تطوُّر مَسيرة العمل البرلماني بسنوات عن قريناتها في دول عربيَّة أخرى، لكن ما يؤخذ عليه تعطيله لعمليَّة التنمية الَّتي لا تزال متأخرة... المُجتمعات العربيَّة الَّتي تفشَّى فيها الفساد والاعتداء على المال العام والبطالة والضرائب والتضخم والفقر وغياب العدالة والهجرة بحثًا عن الفرص... منشغلة حتَّى الثمالة بإجراء المقارنات بَيْنَ أوضاع ومكتسبات وإنجازات الشعوب الَّتي تحكم ديمقراطيًّا وما تعيشه من رفاهيَّة وازدهار وتقدُّم علمي وحقوق إنسانيَّة تَقُوم على العدل والمساواة والحُريَّة، وتكافح من أجْلِ أن تصبحَ شريكة في صنع مستقبلها واتِّخاذ القرارات والسياسات الَّتي تُعنى بمصالحها، ولا شك بأنَّ موعد تحقيق تطلُّعاتها ليس ببعيد.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]