يتجاوز الأمن الغذائي في التَّجربة العُمانيَّة الرَّاهنة حدود كونه قِطاعًا إنتاجيًّا أو برنامجًا تنمويًّا تقنيًّا، لِيتحولَ إلى عنوان سيادي يُعاد من خلاله تعريف العلاقة بَيْنَ الاقتصاد والقرار الوطني. فحين توقِّع وزارة الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه اتِّفاق إطار البرنامج القطري 2026–2030 مع منظَّمة الأغذية والزراعة للأُمم المُتَّحدة، فإنَّ المشهد يتخطى التعاون الاعتيادي مع وكالة أُمميَّة، ويكُونُ تثبيتًا لمنهجٍ يَقُوم على إدارة الغذاء باعتباره ركيزةً من ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالعالم من حَوْلِنا يُعِيد رسم خرائطه الغذائيَّة تحت ضغط الأزمات الجيوسياسيَّة وتقلُّبات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتغيُّرات المناخيَّة، والدول الَّتي تملك رؤية استباقيَّة تُدرك أنَّ وفرة الموارد وحدها باتتْ لا تكفي، وأنَّ السِّيادة الغذائيَّة تُبْنَى عَبْرَ التخطيط طويل الأمد، ورفع كفاءة سلاسل القِيمة، وتعزيز مرونة القِطاعات الزراعيَّة والسمكيَّة في مواجهة الصَّدمات. من هذا المُنطلَق تبدو الشَّراكة الدوليَّة أداةً لتعزيز الاستقلال لا بديلًا عنه، ورافعةً لتثبيتِ قدرة الدَّولة على حماية أمنها الغذائي ضِمن منظومة تنمويَّة متكاملة ترتبط برؤية «عُمان 2040» وتترجمها إلى برامج قابلة للتنفيذ. يأتي مشروع تقييم الموارد السمكيَّة في بحر العرب وبحر عُمان بوصفه ترجمةً عمليَّة لفكرة الانتقال من إدارة الموارد إلى إدارة المعرفة، فقَدْ أصبح التَّعامل مع البحر قائمًا على الخبرة المتوارثة أو التقديرات التقريبيَّة، بجانب مسوح ميدانيَّة دقيقة، وتحليل علمي للكتلة الحيويَّة، وتقدير حجم المخزون للأنواع المستهدفة، ورصد المؤشِّرات البيئيَّة المؤثِّرة في النُّظُم البحريَّة من حرارة وأكسجين وملوحة وكلوروفيل. وهذا التحوُّل يُعِيد تعريف الثروة السمكيَّة باعتبارها أصلًا اقتصاديًّا يحتاج إلى حوكمة قائمة على البيانات، حيثُ يُصبح القرار التنظيمي أو الاستثماري مبنيًّا على أدلَّة كميَّة لا على انطباعات ظرفيَّة، كما يخدم إنشاء قاعدة بيانات وطنيَّة متكاملة للمخزون السمكي حماية التنوُّع الحيوي ومنْعَ الاستنزاف، بجانب أنَّه يؤسِّس لاقتصاد بحري مستدام قادر على تحقيق قِيمة مضافة طويلة الأمد، من خلال ضبط سياسات الصَّيد، وتطوير تقنيَّات ومعدَّات أكثر كفاءة، وتهيئة بيئة استثماريَّة تستند إلى وضوح المعطيات وثقة الأسواق.. بهذه المقاربة يتحوَّل البحر من مورد مفتوح إلى صناعة استراتيجيَّة تُدار بعقلٍ علمي وتخطيط استباقي.
لعلَّ التحدِّي الأعمق في معادلة الأمن الغذائي اليوم لا يرتبط بحجم الإنتاج وحده، وإنَّما بقدرة المنظومة بأكملها على الصمود أمام تقلُّبات المناخ وتغيُّر أنماط الطبيعة، فارتفاع درجات حرارة البحار، وتذبذب معدَّلات الأمطار، وتزايد موجات الجفاف، جميعها عوامل تُعِيد تشكيل خريطة الموارد الزراعيَّة والسمكيَّة في المنطقة، وتفرض على صانع القرار أنْ ينتقلَ من منطق التوسُّع الكمِّي إلى منطق إدارة المخاطر. وعليه، فإنَّ ارتباط إطار البرنامج القطري بالاستراتيجيَّة الوطنيَّة للتكيُّف والتَّخفيف من آثار التغيُّر المناخي وإعلان ( COP28 ) بشأن النُّظُم الغذائيَّة المَرِنة يعكس إدراكًا بأنَّ الأمن الغذائي في العَقد المقبل سيُقاس بمرونة السلاسل الإنتاجيَّة، وكفاءة إدارة المياه، وقدرة القِطاعات على الاستجابة السَّريعة للصَّدمات البيئيَّة. في هذا السِّياق يُصبح الاستثمار في التقنيَّات الذكيَّة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعيَّة، وبناء نُظُم إنذار مبكر للتغيُّرات البيئيَّة، جزءًا من بنية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، حيثُ يتقاطع الغذاء مع المناخ في نقطة واحدة عنوانها حماية المستقبل قَبل البحث عن تعويض الخسائر. إنَّ تكامل الشَّراكات الدوليَّة في هذا المسار يمنح بُعدًا فنيًّا للمشروعات القائمة، ويؤسِّس لمرحلة تتحول فيها قِطاعات الزراعة والثروة السمكيَّة إلى منصَّات جذب استثماري قائمة على الثقة العلميَّة والحوكمة الرشيدة، وبالتَّالي فإنَّ وجود «الفاو» وشركائها الدوليين يُعزِّز مصداقيَّة البيانات الوطنيَّة، ويرفع مستوى الشفافيَّة في إدارة الموارد، ويمنح القِطاعين الزراعي والبحري صورةً أكثر وضوحًا أمام المستثمرين المحلِّيين والدوليين، فهذا التَّكامل يفتح المجال أمام تطوير صناعات تحويليَّة ذات قِيمة مضافة، وتعزيز سلاسل التبريد والتخزين، وتوسيع نطاق التصنيع الغذائي والتصدير، بما يرسِّخ حضور عُمان في الأسواق الإقليميَّة، وفي لحظة تتزايد فيها المنافسة على الموارد والأسواق، يُصبح بناء نموذج متكامل لإدارة الغذاء قائم على العِلم والشَّراكة والاستدامة عامل قوَّة يمنح السَّلطنة موقعًا متقدِّمًا في معادلة الأمن الغذائي الإقليمي، ويؤكِّد أنَّ مَن يُحسن إدارة موارده اليوم، يملك قدرةً أوسع على صياغة مستقبله الاقتصادي غدًا.