.. فلّما كان منهم كل ذلك التكذيب، والمغالطات، والتشنيع على درر الأحكام التي أثبتتها الوقائع والأيام، وغالوا في كذبهم جاءت الصيغة فاضحة فعالهم، كاشفة عن حجم ادعائهم، واتساع فجورهم، وصعوبة مسلكهم، وتمثل ذلك كله في تغيير ما تعورف عليه في قواعد المصدر عند الصرفيين وعلى مدى السنين من أن مصدر الرباعي فعل (بفتح العين مشددة) هو التفعيل، فرأينا كيف تحول الحق على أياديهم إلى باطل وتكذيب، فانتقل إلى (الفعال) بكسر الفاء، وفتح العين مشددة.
فانظر كيف تساوق اللفظ، وتضاهى، وتماهى، وتشاكل مع السياق والمعنى المسوق في الٱية الكريمة، وذلك - كما أقول دائمًا - من سمات، وخصائص لغة القرٱن الكريم، وهو أمر يلحظه المتخصص المتمكن، ويمكنه الوصول إليه، والوقوف عن كثب عليه، وتوضيح المراد من بين يديه، بحيث يمكن التعويل عليه، والارتكان إليه، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:(استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) (المجادلة ـ ١٩)، وهذا يعني أن الشيطان استولى عليهم، وغلبهم تمامًا، فجعلهم تابعين له، ومطيعين لوساوسه. وهذا الاستيلاء يؤدي إلى نسيانهم لذكر الله وطاعته، ويصبحون من حزب الشيطان، أو جنوده، وأتباعه الذين يخسرون في صفقتهم؛ حيث باعوا آخرتهم، ودنياهم، ومعنى الصيغة في الفعل (استحوذ) هو الاستيلاء، والغلبة، فهي أي:(استحوذ) تعني الاستيلاء التام، والسيطرة الكاملة، كما لو أنهم أصبحوا في ملك الشيطان الذي يتحكم بهم، وفيهم بالكامل.
والنتيجة: هي نسيان ذكر الله؛ وبذلك سبب غلبة الشيطان، حيث يصبح الإنسان غافلًا عن ذكر الله عز وجل، بحيث لا يتذكر أوامره ولا نواهيه، فلا يعمل بما يرضيه، ولا يؤدي ما عن المساءلة يجنبه ويعفيه.
والخسارة العظمى هنا: أن أولئك الذين يستولي عليهم الشيطان هم من (حزب الشيطان)، وأتباعه، وهم الخاسرون، لأنهم باعوا الجنة بالضلالة، ودنياهم بالآخرة، فلم يكونوا من ذوي الحكمة، وغلب عليهم الشيطان، واستبد بهم، وزيّن لهم الباطل حتى صدقوه من معسول كلامه، وتزيينه ألفاظه، فهو مضحوك عليه، وملعوب في عقله، وشفتيه، ومسوق من قدميه، ومسيطر على عقله، وأذنيه، وسخروه كالدمية، والكرة تروح وتجيء وفق اللاعبين تحت القدمين، وقد انتهى هو عقلًا وجسدًا، لكن كيف عبر اللفظ عن ذلك المعنى؟.
وجدنا ذلك كله في مجيء البنية الصرفية مغايرة ما تعورف عليه، فالمعلوم صرفيًا أن الفعل المعتل الوسط على وزن (استفعل أو يستفعل) يحدث له إعلال بالنقل، يتبعه إعلال بالقلب؛ حيث تنقلب الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، مثل:(استعاد واستقال واستمات واستجاب واستجاد واستمال.. ونحوها)، ولا تبقى الواو فيه واوًا بل تنقلب ألفًا، فلا نجد مثلًا (استكون) ولا (استموت) (ولا علاقة هنا بالعامية المصرية)، ولا (استتوب)، ولا (استجوب) ولا (استمول) ولا (استقول)، فكل ذلك تقلب فيه الواوات ألفا؛ بسبب تحركها وانفتاح ما قبلها.
لكن هنا في الصيغة الصرفية التي وردت في الٱية أمر عجيب له دلالته في سياقه القرٱني، وعمق معناه في محله من الٱية، حيث جاء بلفظ:(استحوذ) مخالفًا للقاعدة الصرفية السالفة، فلم يأت:(استحاذ) مثل: استقام واستقال واستتاب واستناب واستعار واستمات واستجاب واستجاد.. ونحوها، وإنما ورد بالواو المحققة:(استحوذ)، فهل قيمة العدول عن الأصل إلى لون من التغيير غير المعهود لغة وصرفًا؟!.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية