الإنسان كائن مجبول على السؤال بطبعه؛ يبحث، ويقارن، ويستفهم. والعقل يَسير بوتيرة دائمة نَحْوَ الفَهْم، إلَّا أنَّنا نعيش في فترتنا الراهنة في زمن «الإجابات الجاهزة» و»المعلَّبة» دُونَ اختبار أو تمحيص. وللأسف، فهذا المناخ أفقدنا «مهارة التفكير» و»مهارة البحث» وهو بالتَّالي لا ينتج معرفة راسخة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة هندسة علاقتنا بالسؤال ذاته، وتأطيره ضِمن منهج يربطه بالغاية والمعنى، تمامًا كما هو حال رمضان الَّذي يأتي «ليُعِيدَ ترتيب حياتنا من جديد، ويفتح لنا آفاقًا لقصص بدايات صادقة».
ثمَّة بوصلة داخليَّة تسبق كُلَّ تنظير، هي الفطرة السليمة الَّتي تمنح الإنسان حسًّا أوَّليًّا بالاتِّجاه. وعندما يعمل العقل مستنيرًا في ضوء هذه البوصلة، ينشأ توازن بَيْنَ التحليل والسكينة، وبَيْنَ البحث والطمأنينة. وهذا ما يمنحنا إيَّاه رمضان، حيثُ تُتاح لنا مساحة نادرة لاستعادة هذا التوازن من خلال «تعظيم شعائر الله»؛ فالصيام دعوة مُنحت لنَا لملء مساحات الروح بالطَّاعات الَّتي تعدُّ الإنسان للحياة وتجعله عنصرًا فاعلًا.
الخلوة الرمضانيَّة في أبسط مفهوم لها هي (إعادة ترتيب العلاقة بَيْنَ العقل والنفْس)، فهي تكشف لنَا أنَّ كثيرًا من الأسئلة الَّتي أقلقتنا طوال العام كانت تحتاج إلى مسافة زمنيَّة وهدوء للإجابة عنها. هذا الإدراك في جوهره يُعِيدُ تعريف مفهوم اليقين باعتباره مسارًا طويلًا من التأمل والانضباط.
الإيمان الواعي يتشكل عَبْرَ هذا المسار، فهو يمرُّ باختبار السؤال، ويتغذى على التفكير المسؤول، ويتحرر تدريجيًّا من اعتباره موروثًا دُونَ فَهْمٍ؛ لأنَّه ينقل الإنسان من التلقِّي السلبي إلى البحث المنهجي، وتتحول العبادة إلى «مشروع بناء للمستقبل»، وهذا التحوُّل هو جوهر «مُدارسة القرآن»؛ تلك الرحلة الَّتي كان يقطعها جبريل عليه السَّلام لِيُدارِسَ النَّبي القرآن، لِيعلِّمنا أنَّ القرآن ليس مجرَّد حروف تُتلى، بل هو منهج للفِقه والتطبيق في واقع الحياة.
في المجالس الرمضانيَّة، نرى نماذج عمليَّة لهذا التحوُّل، حوارات هادئة تَدُور حَوْلَ معاني الحياة، وأحاديث أُسريَّة تُعِيدُ ربط الأبناء بقِيَمهم دُونَ (آيباد محمول)، موائد الإفطار تتحوَّل أحيانًا إلى منصَّات نقاش متزن، يُطرح فيها السؤال باحترام، ويُستمع إلى الرأي الآخر بإنصاف. هذا المناخ يرسِّخ في النفوس قِيمة الصَّبر المعرفي، ويؤكِّد أنَّ الفَهْمَ يأتي وفْقَ عمليَّة تراكميَّة يُتاح للعقل فهمها وللقلب الاعتقاد بها. كما أنَّ قيام الليل وتلاوة القرآن يمنحان بُعدًا تأمليًّا عميقًا. التلاوة هنا تفاعل مع المعاني، ومحاولة لإدراك السُّنن ممَّا يمنح العقل فرصة للتصالح مع المعنى المجهول في ظل «رحمة الشريعة ويُسرها» الَّتي جاءت لإسعاد الإنسان لا لتعذيبه.
الدرس الأبرز الَّذي يمنحه هذا الشهر هو أنَّ اليقين لا يعني غياب السؤال، بل يعني نضج السائل. فحين يتعلم الإنسان كيف يسأل بوعي، وكيف ينتظر بإدراك، وكيف يراجع نفسه بصدق، يتحول السؤال من مصدر اضطراب إلى أداة بناء. وفي هذا التحوُّل تكمن هندسة اليقين الحقيقيَّة: عقل منضبط، وزمن مُدار بحكمة، وقلب مطمئن يعرف طريقه وسط فوضى هذا العالم.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr