يزداد الإقبال في شهر رمضان المبارك على العبادة كلٌّ بقدر ما يستطيع (الصيام، القيام الذِّكر وقراءة القرآن) مما يساعد الإنسان على الصفاء الروحي والذهني مع الشعور بخفة داخليَّة، وهدوء نفسي، ووضوح في التفكير، نتاجًا للأبعاد الروحيَّة والنفسيَّة والجسديَّة الَّتي نتحرر بها من ضغوط الأشْهُر الباقية من العام، والَّتي تتركز في المشاكل الاقتصاديَّة والسياسيَّة، وما يحاك لأُمَّتنا العربيَّة والإسلاميَّة. وهذا ما يدفعنا إلى استغلال الشهر الفضيل في البحث عن مفردات الحياة ومطالبها، الَّتي تنحصر في كثير من الأحيان بَيْنَ الرغبة والإرادة، وهي من أعمق المفاهيم الَّتي تناولها الفكر الدِّيني والفلسفي؛ لأنَّهما تمسَّان جوهر الإنسان وحياته اليوميَّة (ماذا يريد؟ وكيف يختار؟)، كما يُنظر إلى الرغبة والإرادة كعمليَّتين نفسيَّتين مختلفتين لكن مترابطتين؛ الأولى تتعلق بالدافع، والثانية بالتحكم والتنفيذ. ويرى ابن خلدون في مقدِّمته (أنَّ الرغبة قوَّة محركة للتاريخ، لكنَّها قد تكُونُ سبب الفساد إن لم تهذبْ، والإرادة ليست فرديَّة فقط بل اجتماعيَّة تاريخيَّة). ويقول علماء الإسلام مثل أبو حامد الغزالي وابن تيميَّة إنَّ الرغبة (الشهوة ـ الهوى) ميلٌ نفْسي فطري نَحْوَ شيء ما (مال، طعام، مكانة، علاقة) فيما أنَّ الإرادة قوَّة داخليَّة تمكِّن الإنسان من توجيه رغباته وفْقَ العقل والشرع فيأتي التوجيه الإلهي كما في سورة النازعات (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفْس عن الهوى فإنَّ الجَنَّة هي المأوى). إنَّ الفكرة الأساسيَّة (الرغبة تُختبر، والإرادة تُحاسَب) فالإنسان مسؤول؛ لأنَّه يملك القدرة على ضبط ميوله بمساعدة ضوابط شرعيَّة وأخلاقيَّة، وفي بعض الأحيان بيئيَّة، حيثُ إنَّ الرغبة هي ما نميل إليه، والإرادة ما نقرِّر أن نفعله تجاه هذا الميل، مع التسليم بأنَّ الدِّين يركِّز على البُعد الأخلاقي والمحاسبة عِندَ نشأة الرغبة وتطويع الإرادة. أمَّا الفلسفة فهي تركِّز على طبيعة الحُريَّة والعقل ودوافع الفعل، ولا يختلف عِلم النفْس كثيرًا عن المنظور الدِّيني أو الفلسفي، حيثُ يعرف الرغبة والإرادة كعمليَّتين نفسيَّتين مختلفتين لكن مترابطتين؛ الأولى تتعلق بالدافع، والثانية بالتحكم والتنفيذ تنشأ عندما يشعر الإنسان بنقص أو توق أو انجذاب نَحْوَ شيء معيَّن، وتتأثر بالحاجات البيولوجيَّة (الجوع)، أو النفسيَّة (الانتماء)، أو الاجتماعيَّة (المكانة).
السلام النفسي
يشعر الصائمون عادةً في شهر رمضان المبارك بسلام نفْسي خاص عن بقيَّة أشْهُر العام؛ وذلك لأنَّ الشهر الفضيل تكثر فيه العبادات، ولأنَّ رمضان يجمع بَيْنَ تقليل الشهوات وزيادة المعنى والانضباط اليومي والانتماء الجماعي (الصلاة الجماعيَّة، الإفطار المشترك)، وهذا المزيج نادر عند البعض في الحياة اليوميَّة، ويتطلب المحافظة عليه لدوام السَّلام النفْسي والصَّفاء الذِّهني عدَّة أُمور تبدأ بالاعتياد على الاعتدال في الطَّعام، النَّوم المنتظم، تخصيص وقت يومي للقرآن والتأمل، تقليل الضوضاء الرقميَّة، المداومة على الصوم بقيَّة أشْهُر السَّنة؛ لضبطِ الرغبة، توجيه الإرادة، تغذية الروح بالمعاني الكثيرة والفضيلة الَّتي نخرج بها من الشهر الفضيل.
إنَّ ما نستقيه خلال الشهر الفضيل يدرِّبنا على كيفيَّة تحكمنا في الرغبة والإرادة ممَّا ينتج عنه الانتقال من العبادة الفرديَّة إلى إصلاح الفرد وتزكية المُجتمع، وبناء منظومة أخلاقيَّة متكاملة، فهو مدرسة أخلاق عمليَّة؛ فالصوم يعلِّم الصدق وضبط اللسان، والامتناع عن الشهوات يدرِّب على العفة، والإحساس بالجوع يوقظ الرحمة، وكُلُّها تعتمد على الإرادة والرغبة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»