السبت 04 أبريل 2026 م - 16 شوال 1447 هـ

تساوق اللفظة مع الدلالة فـي السياق القرآني «دراسة فـي إطار البنية والتركيب» «5»

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 12:00 م

نواصل حديثنا حول قضية ارتباط اللفظة القر?نية، وما يعتريها من تغيير، على المستوى الصرفي ونضرب نماذج لها، ونستكشف جمالها، وكمالها، وجلالها في مواضعها من ال?يات، ونتنسم مدى ارتباطها، وتغييراتها مع متطلبات السياق، والمعنى العام الذي تطرحه ال?ية، وتتساوق فيه النية الصرفية مع سياقاتها القر?نية تساوقًا عجيبًا، حيث تعطي تلك التغييرات ما ترمي إليه ال?يات الكريمات من مقاصد وأهداف، ومرام وغايات.

ونتجاوز ذلك للدوران حول بعض تلك الألفاظ، ونوضح شيئًا من عطاءاتها، ونتفهم ما تركته من ?ثار معنوية، وظلال بلاغية، وقيم إيمانية، فمن ذلك قوله تعالى:(وكذبوا بآياتنا كذّابًا) (النبأ ـ 28)، ومعنى الآية في كتب التفسير هو أن الله سبحانه وتعالى يخبر عن الكفار بأنهم كذّبوا بآيات الله، وحججه وأدلته تكذيبًا شديدًا ومُعاندة، وكلمة (كذّابًا) تأتي لتأكيد معنى التكذيب، وتستخدم لتأكيد المصدر، أو للتعبير عن شدة الفعل.

والتكذيب الشديد: يُفهم من كلمة (كذّابًا) أن تكذيبهم كان عنادًا، وتصميمًا، وليس مجرد شك، أو خطأ غير مقصود، ومعنى (كذّابًا): هنا أنها هي مصدر لفعل (كذبوا)، وتفيد تأكيد المصدر، وتفيد كذلك شدة وقوع الفعل، مثل قولهم:(خَرَقْتُ الثوب خِراقة).

وهذا أنهم كانوا في مواجهة مع الحق الواضح، حيث لم يكتفِ هؤلاء الكفار بتكذيب الآيات، بل قابلوها بالعناد، والمكابرة، فلم يؤمنوا بالحق الواضح الذي جاءت به الرسل، ولم يتبعوا ما أمرهم الله به من الطاعة.

وإذا تمعنا في لفظة (كذّابًا) على وزن (فِعّالا) بكسر الفاء، وتشديد العين مفتوحة، وهو لفظ صعب، وشديد، وليس هو المصدر الحقيقي للفعل (كذبوا)، حيث إن المعروف عن مصدر الفعل الرباعي فعل هو التفعيل ما لم معتل اللام مثل:(غطّى ونمّى وورى، وعدى، وعرى) فإذا كان معتل اللام حذفت ياء التفعيل، وعوض عنها بتاء في آخر المصدر عوضًا عن حذف ياء التفعيل؛ حتى يظل مسمى المصدر متلبسًا بالكلمة، ولا ينتقل الى اسم المصدر، فنقول في الأفعال السابقة معتلة اللام:(تغطية، وتنمية، وتورية، وتعدية، وتعرية.. وهكذا)، فليس فيها لا صحيحة ولا معتلة مثل المصدر الوارد في ال?ية، فماذا يعني هذا؟.

في رأيي أن الآية تبين في فعلها ومصدرها وتشكيلتيهما الصوتية الشديدة ذات الصوت العالي، والنبرة الحادة ليدل على فجر هؤلاء، وطول لسانهم، ولغطهم في حقائق دينهم، وعدم ارعوائهم من تحذير أنبيائهم وسلاطة لسانهم، كما أنهم يغايرون في الحقائق، ويلوون ألسمتها بالباطل، ويخرجون بكلام تافه، ويزعمون مزاعم خائبة حول دينهم، وعظمته، فيقلبون الحقائق ترهات وأباطيل، ويتخرصون على الدين التخاريص، ويتقولون الأقاويل، ويكذبون في كل ما يقولون، ولا يدارون، بل يتبجحون، معتمدين على الجدال والسفسطة مع الحق الواضح، بقولهم الفاضح حتى إن صيغة المصدر قد اتشحت بوشاح ?خر غير وشاح مصدرها الحقيقي، وهو التكذيب، فكذبت وحولته إلى صيغة أخرى أشد صعوبة ونطقًا لتتساوق تلك البنية مع كذبهم، وتتماشى مع تحرضهم، ولتحكي عوار فكرهم، وقلة فهمهم، وسلاطة ألسنتهم، واهتراء عقولهم حتى إنهم ليصدقوا كذبهم، ويمضون كأن الحق يمشي في ركابهم، ويتغنى بسديد رأيهم، ونقي فكرهم، وصفاء ذهنهم، فجاءت الصيغة المختارة فاضحة كذبهم، وتغيرت من التفعيل إلى الفعال (بكسر الفاء، وتشديد العين مفتوحة)، مغايرة لأصل المصدر، كما يفعلون هم في تغيير الحقائق الناصعة، والشرائع النافعة إلى أحكام يصطنعونها، ويشترعونها كذبًا وافتراء على الله، وصدا عن سبيله، وتكذيبًا متواصلًا مستمرًا لدينه، وأنبيائه، وأحكامه، وتكاليفه.

د. جمال عبد العزيز أحمد 

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]